كانت قرية أم دومة التابعة لمركز طما بمحافظة سوهاج تعيش ليلتها كعادتها؛ هدوء يلف المكان، لا يقطعه سوى نباح الكلاب وسط ظلام دامس، ولم يكن أحد من أهل القرية يدرك أن تلك الليلة ستتحول إلى واحدة من أكثر الليالي سوادًا في تاريخها.
يوم شاق
داخل أحد المنازل المتواضعة، كان المجني عليه "سيد . إ . ح" قد عاد من عمله بعد يوم شاق، وجلس قليلًا ليسترد أنفاسه قبل أن يخلد إلى النوم، بينما كان أطفاله قد سبقوه إلى النوم في الغرفة المجاورة.
أشعل نية الشر
لم يكن يعلم أن قرارًا اتخذه قبل أيام، حين قام برهن قطعة أرض، قد شاع خبره بين الجيران، وأيقظ في نفوس البعض طمعًا أعمى أشعل نية الشر.
الزوجين والشيطان
وعلى بعد أمتار قليلة، وفي منزل مجاور، كان جاره "حمادة . ع . س" (38 عامًا – عامل)، يجلس برفقة زوجته "نورال . س . أ" (37 عامًا)، وثالثهما الشيطان. دار بينهما حديث هامس عن المال الذي تردد أنه بات داخل منزل جارهم، ومع تكرار الحديث، تحولت الهمسات إلى اتفاق شيطاني على سرقة المنزل ليلًا، مستغلين قرب البيوت، وتشابك الأسطح، وسكون الليل الذي يُخفي الجرائم.
نوم أهل القرية
مرت أيام قليلة وهما يضعان تفاصيل خطتهما الإجرامية، حتى جاء الموعد. انتظرا حتى تأكدا من نوم أهل القرية، وحين خيّم السكون، حمل حمادة منجلًا حديديًا حادًا، وصعد إلى سطح منزله، ثم قفز بخفة إلى سطح بيت المجني عليه.
تنفيذ الجريمة
كانت خطواته حذرة، وقلبه ينبض بعنف، لكنه كان قد عقد العزم على إتمام جريمته. تمكن المتهم من التسلل إلى داخل المنزل، وتوجه إلى الباب ليفتحه من الداخل، حيث كانت زوجته نورال تنتظره بالخارج. دخلت الزوجة، وعثرت داخل المنزل على بلطة حديدية أمسكت بها، وبدأ الزوجان في تفتيش الغرف بعشوائية، يفتحان الأدراج، ويقلبان الفرش، بحثًا عن المال أو المصوغات، لكن دون جدوى. وأثناء ذلك، استيقظت الطفلة "فرحة"، ابنة المجني عليه، بعد أن شعرت بحركة غير معتادة داخل المنزل، وحاولت استيعاب ما يحدث، لكنها ما إن شاهدت المتهمين حتى أطلقت صرخات استغاثة.
في تلك اللحظة، انهالت عليها المتهمة الثانية بالضرب مستخدمة البلطة، مسددة ضربات متتالية إلى رأسها ووجهها وجسدها.
سقطت الطفلة أرضًا، والدماء تنزف منها بغزارة، بينما كانت تحاول التمسك بالحياة. وبعد أن تأكدت المتهمة من فقدان الطفلة وعيها، عادت لاستكمال التفتيش مع زوجها.
وفي تلك الأثناء، استيقظ الطفل "عبده"، شقيقها، ليفتح عينيه على مشهد يفوق قدرته على الاستيعاب؛ شقيقته غارقة في دمائها، والمتهمان يحملان أسلحة بيضاء ويبعثران محتويات الغرفة. لم تمهله المتهمة فرصة للصراخ، فانهالت عليه بالضرب بالبلطة، بينما استكمل المتهم الأول الاعتداء عليه بالمنجل.
صرخات الصغير
تعالت صرخات الصغير داخل المنزل قبل أن يفقد وعيه ويسقط هو الآخر غارقًا في دمائه. كانت الصرخات قد وصلت إلى غرفة الأب. استيقظ المجني عليه "سيد . إ . ح" مذعورًا، لا يدري ما حل بأطفاله، وهرول مسرعًا، ودقات قلبه تتسارع خوفًا عليهم. وما إن دخل غرفتهم حتى فوجئ بالزوجين داخل منزله. في لحظة خاطفة، باغتاه بالاعتداء العنيف؛ انهال المتهم الأول عليه ضربًا بالمنجل، بينما واصلت المتهمة الثانية التعدي عليه بالبلطة، ثم طعنته في الرقبة بسكين، حتى سقط الأب غارقًا في دمائه، مفارقًا الحياة داخل منزله. وبعد أن تأكدا من وفاته، قاما بنقل جثمانه ووضعه فوق السرير في محاولة بائسة لإخفاء معالم الجريمة، ثم نقلا الطفلين المصابين إلى إحدى الغرف.
وبرغم هول ما ارتكباه من قتل وإصابات، عادا مرة أخرى للبحث عن المال الذي كان سببًا لكل ما حدث، لكن دون أن يعثرا على شيء. ومع فشلهما في السرقة، وخوفهما من انكشاف أمرهما، قررا الفرار. غادرا المنزل في صمت كما دخلاه، وعادا إلى مسكنهما المجاور، وكأن شيئًا لم يكن، تاركين خلفهما منزلًا غارقًا في الدماء، وأطفالًا بين الحياة والموت.
مسرح صادم لجريمة
ومع أولى ساعات الصباح، انكشفت المأساة وتعالت الصرخات داخل منزل المجني عليهم، بعدما حضر بعض أفراد العائلة ليجدوا الأب جثة هامدة، والطفلين ينزفان بشدة. تم إبلاغ الشرطة والإسعاف، التي هرعت إلى موقع الحادث، لتتحول القرية الهادئة إلى مسرح صادم لجريمة هزت الجميع.
كشف الجناة
لم يمر وقت طويل حتى أسفرت التحريات، وشهادتا الطفلين المجني عليهما، عن كشف الجناة. وقبل أن يتمكن الزوجان من الهرب، تمكن ضباط مباحث مركز شرطة طما من ضبطهما.
وبمواجهتهما بما توصلت إليه التحريات، اعترفا بارتكاب الواقعة، وقاما بتمثيل الجريمة أمام فريق من النيابة العامة.
إحالة المتهمين للمحاكمة
وبعد استكمال الإجراءات القانونية، أحال المستشار محمد الشريف، المحامي العام لنيابات شمال سوهاج الكلية، المتهمين إلى محكمة الجنايات، التي وجهت لهما تهمة القتل العمد، والشروع في القتل، والشروع في السرقة.
وبعد تداول أوراق القضية أمام الدائرة الثالثة بمحكمة جنايات سوهاج، برئاسة المستشار محمد زين علي عمرو، وعضوية المستشارين فهمي عبد الرحمن وأحمد طلبه، وأمانة سر محمد العربي، أصدرت المحكمة حكمها بمعاقبة المتهمين بالإعدام شنقًا.

