منذ عقود طويلة، لم يتوقف خيال البشر عن طرح السؤال الأقدم والأكثر إثارة.. هل نحن وحدنا في هذا الكون الفسيح؟ ورغم التقدم الهائل في علوم الفلك واستكشاف الفضاء، لا تزال الإجابة معلقة بين الاحتمال والشك. وخلال الأشهر الأخيرة، عاد هذا السؤال بقوة إلى الواجهة، بعد تصاعد الجدل العلمي حول جسم فضائي غامض اقترب من كوكب الأرض، وسط آراء متضاربة وصلت حد الحديث عن “غزو فضائي” محتمل، بل وتحديد موعد دقيق لوصول كائنات من خارج كوكبنا، قبل أن يمر الموعد دون إجابة قاطعة، تاركًا خلفه موجة من التساؤلات التي لم تهدأ بعد.
جسم غريب يثير القلق والدهشة
منذ العام الماضي، انشغل علماء الفلك حول العالم بمتابعة جسم فضائي غير مألوف تم رصده وهو يشق طريقه نحو النظام الشمسي. هذا الجسم، الذي بدا مختلفًا في خصائصه ومساره، فتح بابًا واسعًا من التكهنات؛ فبينما رأى فريق من العلماء أنه مجرد مذنب عابر بين النجوم، اعتبر آخرون أن مواصفاته لا تنطبق على أي جسم طبيعي معروف، ما دفعهم إلى طرح فرضيات أكثر جرأة، من بينها كونه مركبة فضائية مصممة بتقنية متطورة.
I3/ATLAS.. اسم علمي لظاهرة مثيرة للجدل
اتفق العلماء على إطلاق الرمز (I3/ATLAS) على هذا الجسم الغامض، ليصبح حديث الأوساط العلمية والإعلامية على حد سواء. بعض الباحثين ذهبوا إلى حد القول إن هذا الجسم قد يكون مركبة فضائية تحمل كائنات ذكية من عوالم بعيدة، أو على الأقل وسيلة استكشاف أُرسلت لرصد كوكب الأرض ودراسة الحياة عليه، في سيناريو يعيد للأذهان أفلام الخيال العلمي، لكنه هذه المرة مطروح على طاولة البحث العلمي.
آفي لوب.. عالم يشعل العاصفة
في قلب هذا الجدل يقف البروفيسور آفي لوب، أستاذ الفيزياء النظرية بجامعة هارفارد الأمريكية، المعروف بآرائه الجريئة بشأن الأجسام بين النجمية. لوب لم يكتفِ بالتشكيك في التفسير التقليدي، بل حدد إطارًا زمنيًا لوصول الجسم الغامض إلى محيط الأرض، مشيرًا إلى الفترة ما بين 21 نوفمبر و5 ديسمبر 2025. ورغم أن هذا الموعد مر دون أي حدث استثنائي ظاهر، إلا أن تصريحاته كانت كفيلة بإشعال موجة من النقاشات العلمية والإعلامية التي لا تزال مستمرة حتى اليوم.
سرعة غير معتادة ومسار يثير الريبة
بحسب لوب، فإن الجسم (I3/ATLAS) يتحرك بسرعة تقدر بنحو 135 ألف ميل في الساعة، وهي سرعة عالية جدًا مقارنة بالأجسام الفضائية المعتادة. كما أكد أن مساره المباشر نحو النظام الشمسي الداخلي، إلى جانب حجمه الكبير نسبيًا، يمثلان عاملين يستحقان مزيدًا من الدراسة والتدقيق، معتبرًا أن افتراض كونه “مذنبًا عاديًا” قد يكون تبسيطًا مفرطًا لظاهرة أكثر تعقيدًا.
رواية علمية مقابل فرضيات مثيرة
على الجانب الآخر، صنفت كل من وكالة الفضاء الأمريكية “ناسا” ووكالة الفضاء الأوروبية هذا الجسم على أنه مذنب بين النجوم، مشيرتين إلى أن سلوكه ومساره يتطابقان مع النماذج المعروفة لمثل هذه الأجسام. ووفقًا لناسا، فقد بلغ (I3/ATLAS) أقرب نقطة له من الشمس في 30 أكتوبر 2025، على مسافة تُقدر بنحو 130 مليون ميل من الأرض، دون أن يشكل أي تهديد مباشر لكوكبنا.
حجم ضخم يضيف لغزًا جديدًا
ورغم صعوبة قياس حجمه بدقة بسبب بعده الهائل، تشير التقديرات إلى أن قطر الجسم يتراوح بين 20 و24 كيلومترًا، وهو ما يجعله أكبر بكثير من أجسام بين نجمية سابقة تم رصدها، لم يتجاوز طول بعضها 100 متر. هذا الحجم غير المعتاد كان أحد أبرز الأسباب التي دفعت لوب وغيره إلى التشكيك في طبيعته، معتبرين أنه لا يشبه المذنبات التقليدية من حيث الشكل أو التركيب.
بين العلم والخيال.. أين تقف الحقيقة؟
الجدل حول (I3/ATLAS) يعكس في جوهره الصراع الدائم بين التفسير العلمي المحافظ والخيال العلمي الجريء. فبينما يصر بعض العلماء على الالتزام بالأدلة المتاحة، يدعو آخرون إلى توسيع دائرة الاحتمالات وعدم استبعاد وجود تكنولوجيا متقدمة من خارج كوكب الأرض، خاصة في ظل اتساع الكون وصعوبة الجزم بأن البشر هم الشكل الوحيد للحياة الذكية فيه.
ورغم مرور الموعد الذي حُدد لوصول الجسم الغامض دون أحداث استثنائية، إلا أن الأسئلة لا تزال قائمة، والجدل لم يُحسم بعد. فهل كان (I3/ATLAS) مجرد مذنب عابر أثار ضجة إعلامية؟ أم أنه رسالة صامتة من أعماق الكون لم نفهمها بعد؟ بين العلم والشك، يظل هذا الجسم الفضائي شاهدًا جديدًا على اتساع المجهول، وعلى أن السماء لا تزال تخبئ للبشر أسرارًا قد تغير نظرتهم إلى الكون في أي لحظة.