قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

عبد السلام فاروق يكتب: نقوش على الجسد القديم

عبد السلام فاروق
عبد السلام فاروق

العام المنصرم ، توقفت أمام أربعة كتب لا يمكن التعامل معها بوصفها إصدارات عابرة أو إضافات أرشيفية، بل باعتبارها أدوات تشريح دقيقة لجسد مصري مثقل بالأسئلة. 

كتب تفتح الجسد الرمزي لمصر، لا لتشهير أو فضيحة، لكن من أجل فهم أعمق لشفرة معقدة تكونت عبر قرون من تراكب الهوية، وتشابك السلطة، وصراع الذاكرة.
لقد بدأت علاقتي بكتب هذا العام كما بدأت علاقتي بالحياة ذات يوم، لا بدهشة الوليد الذي يحملق  ويفغر فاه، إنما بقلق الباحث الذي يعرف أن التاريخ لا يكرر نفسه حرفياً، لكنه يملك قدرة مذهلة على إعادة إنتاج أزماته بأقنعة جديدة.

هذه الكتب الأربعة، رغم تباين تخصصاتها بين التاريخ والاجتماع والاقتصاد والثقافة ، تشتبك جميعا مع سؤال مركزي واحد هو سؤال الهوية في عالم تتصارع فيه القوي علي تعريفنا. من نحن ؟ والأهم من يملك سلطة الإجابة علي هذا السؤال؟ من يمتلك الحق في تشكيل صورتنا عن أنفسنا ، وتوجيه مسارنا وإدارة موارنا ، وصياغة ذاكرتنا الجمعية؟.

التاريخ كسلاح سياسي
يفتتح هذا المشروع القرائي الدسم بكتاب مهم بعنوان "القبط والغرب: الأوروبيون واكتشاف الكنيسة القبطية" للمؤرخ البريطاني أليستر هاميلتون، في ترجمة عربية صدرت عن المركز القومي للترجمة بالقاهرة. الكتاب، الممتد زمنياً بين عامي 1439 و1822، لا يقدم تاريخاً كنسياً تقليدياً، بقدر ما يقدم دراسة معمقة في كيفية تكوين المعرفة الأوروبية عن مصر، عبر بوابة الكنيسة القبطية.

ينقسم الكتاب إلى أربعة محاور مترابطة: «قبط مصر»، «الإرساليات التبشيرية»، «نحو الاقتراب للتعرف على القبط»، و«اللغة القبطية». 

وفي نحو 360 صفحة من القطع الكبير، يستعرض هاميلتون كماً هائلاً من الوثائق والمراسلات والتقارير التي كتبها مبشرون، ورحالة، وعلماء لاهوت أوروبيون، جاؤوا إلى مصر محملين بتصورات مسبقة، وأحكام لاهوتية وسياسية، ورغبة كامنة في الفهم والسيطرة معاً.

السؤال المركزي الذي طرحه الكتاب ليس من هم الأقباط؟ بل كيف رآهم الغرب، ولماذا رآهم بهذه الطريقة؟ هنا تتحول المعرفة إلى أداة قوة. فالاكتشاف لم يكن بريئاً، والتوثيق لم يكن محايداً. كان الغرب، في لحظة تكوين حداثته، يعيد ترتيب العالم وفق ثنائيات حادة، التقدم والانحطاط، العقل والخرافة، المركز والهامش.
يوضح الكتاب كيف لعبت الإرساليات التبشيرية دوراً مزدوجاً، ديني ظاهري، ومعرفي عميق الأثر. 

فمن خلال محاولات فهم اللغة القبطية، وتاريخ الكنيسة، وطقوسها، ولد ما سيعرف لاحقاً بـ"علم القبطيات". غير أن هذا العلم لم ينفصل عن السياق الاستعماري الأوسع، حيث أعيدت صياغة صورة الشرق وفق مقولات تفوق الغرب وتخلف الآخر.
إن كتاب "القبط والغرب" أكثر من مجرد تاريخ ، إنه شهادة علمية عقلانية دالة على لحظة تأسيسية في تاريخ علاقتنا بالعالم الحديث، حين بدأنا نرى، ونصنف، ثم نرى أنفسنا من خلال مرآة الآخر.

جهاز الأفندية السري!

إذا كان الكتاب الأول يرصد تشكل النظرة من الخارج، فإن كتاب «عصر الأفندية: ممرات الحداثة في مصر خلال فترة الهيمنة الاستعمارية» يتجه إلى الداخل، ليفحص كيف تكونت طبقة اجتماعية لعبت دوراً محورياً في بناء الدولة المصرية الحديثة طبقة الأفندية.

الأفندي هنا ليس مجرد وصف اجتماعي لرجل يرتدي البدلة والطربوش ويتقن لغة أجنبية، إنه مكانة اجتماعية وموقع بنيوي في شبكة السلطة والمعرفة. لقد نشأت هذه الطبقة في ظل الاستعمار، وتغذت على مؤسساته التعليمية والإدارية، وحملت مشروع الحداثة بوصفه وعداً بالترقي الاجتماعي، وأداة للتماهي مع الدولة الجديدة.

يحلل الكتاب كيف تحولت هذه الفئة إلى وسيط هش بين المستعمِر والمجتمع، بين القوانين الحديثة والعلاقات التقليدية، بين الدولة بوصفها جهازاً، والشعب بوصفه كتلة غير متجانسة. 

في الوزارات والمحاكم والمدارس، كان الأفندي يمارس دور المترجم الذي يترجم أوامر السلطة بلغة يفهمها الناس، ويترجم شكاوى الناس بلغة تصلح للأرشفة الإدارية.
غير أن هذا الدور الوسيط لم يكن بريئاً. فقد أسهم الأفندية في ترسيخ البيروقراطية، وفي أحيان كثيرة في إعادة إنتاج علاقات الهيمنة، حتى وهم يتحدثون باسم التقدم والعقلانية. 

وفي الوقت نفسه، كانوا يحملون توترات داخلية حادة اغتراب عن المجتمع، وشك في الذات، ورغبة في الاعتراف من سلطة لا تمنح الاعتراف إلا بشروطها.

يضيء الكتاب هذه اللحظة المفصلية التي تكونت فيها النخبة الحديثة، بكل ما حملته من طموحات وانكسارات، ليكمل بذلك سؤال الهوية الذي بدأه "القبط والغرب": كيف نستجيب لنظرة الآخر؟ وكيف نعيد تشكيل أنفسنا تحت ضغطها؟

"عدوية" يشكل وعي الجمهور!

من النخبة إلى القاع الاجتماعي، ومن مؤسسات الدولة إلى الأزقة والأتوبيسات والمقاهي، نصل إلى كتاب أندرو سايمون: «إعلام الجماهير: ثقافة الكاسيت في مصر». هنا لا نتحدث عن تقنية محايدة، بل عن ثورة صامتة غيرت شكل التعبير، وأعادت توزيع السلطة الثقافية.

يرصد سايمون كيف تحولت شرائط الكاسيت، منذ سبعينيات القرن العشرين، إلى وسيط ديمقراطي بامتياز. 

مع سياسات الانفتاح الاقتصادي، وتراجع دور الدولة الثقافي، وجد المصريون في الكاسيت أداة للتعبير عن ذواتهم كما هي، لا كما تريدها المؤسسات الرسمية.
من الأغنية الشعبية إلى الخطب الدينية، ومن النكات السياسية إلى التسجيلات المنزلية، صنع الكاسيت أرشيفاً شعبياً موازياً، خارج رقابة الإذاعة والتلفزيون. وصول صوت أحمد عدوية إلى كل بيت كان تمرداً على سلطة الذوق الكلاسيكي، وإعلاناً عن حق الطبقات المهمشة في أن تسمع.
يحلل الكتاب كيف هددت هذه الثقافة الصوتية الجديدة احتكار الدولة للفضاء العام، وكيف أعادت تعريف العلاقة بين المنتج والمستهلك الثقافي.

فالمتلقي لم يعد سلبياً، بل شريكاً في التداول وإعادة الإنتاج.
الأهم أن سايمون يستخدم تاريخ الأشياء، شريط الكاسيت، مدخلاً لإعادة كتابة تاريخ مصر الحديث من أسفل، متسائلاً كيف يمكن للثقافة الشعبية أن تعيد توجيه فهمنا للأمة؟ وكيف تصنع التقنيات البسيطة تحولات عميقة في الوعي والسلطة؟

الذين يقبضون على الزمام

يبلغ هذا المشروع ذروته مع كتاب "مُلاك مصر: قصة صعود الرأسمالية المصرية"، الصادر عن دار المرايا للثقافة والفنون. هنا ننتقل من الثقافة إلى الاقتصاد السياسي، ومن الصوت إلى رأس المال.
يقدم الكتاب دراسة موسعة لمسار الرأسمالية المصرية منذ حقبة الانفتاح، عبر تحليل تطور عدة قطاعات صناعية وخدمية.

وينقسم إلى ثلاثة أقسام رئيسية: "صناعة الرغبة"؛ حيث تفكك آليات الدعاية وإعادة تشكيل الاستهلاك. "جراحة زرع الوجه"؛ التي ترصد إحلال القطاع الخاص محل الدولة. و"الريع والكازينو"؛ الذي يتناول الرأسمالية المالية والنفطية.

السؤال المركزي هنا ليس: هل نما الاقتصاد؟ بل: لمن كان هذا النمو؟ يوضح الكتاب كيف جرى تهميش المجتمع والفرد، وكيف استفادت قلة من السياسات الاقتصادية، بينما جرى تفكيك القطاع العام عبر تشريعات شلت فعاليته، رغم كونه منتجاً وقادراً على تحقيق أرباح.
يفكك الكتاب الأساطير التي روجت حول فشل القطاع العام، ويكشف كيف كان هذا الفشل في كثير من الأحيان مصطنعاً ومقصوداً، تمهيداً لتمرير الخصخصة وتركيز الثروة. إنه تشريح دقيق لعلاقة المال بالسلطة، وللكيفية التي أُعيد بها تشكيل الطبقات الاجتماعية في مصر المعاصرة.

خيط المسبحة

ما يجمع هذه الكتب الأربعة رؤيتها للتاريخ كساحة صراع مفتوحة، لا كسردية واحدة متماسكة. صراع بين نظرة الآخر والذات، بين النخبة والجمهور، بين الدولة والسوق، بين الذاكرة الرسمية والذاكرة الشعبية.

كل كتاب يفتح نافذة على هذا الصراع، من الاستشراق المبكر، إلى تكوين النخبة، إلى تمرد الصوت الشعبي، إلى هيمنة رأس المال. معاً، تقول هذه الكتب إن مصر ليست بلا تاريخ، بل مثقلة بتاريخ متنازع عليه.

في المحصلة، هذه الكتب لا تخص مصر وحدها. إنها تعكس واقعاً عربياً أوسع، أزمات هوية، نخب مأزومة، رأسمالية مشوهة، وثقافة شعبية مقاومة. مصر هنا مختبر مكثف، تظهر فيه التناقضات بأوضح صورها.

قراءة هذه الكتب معاً في مستهل العام الجديد أراه ضرورة معرفية. فهي لا تقدم إجابات جاهزة، تفتح أسئلة حقيقية، وربما هذا بالضبط ما نحتاجه في زمن يفيض بالحلول السهلة، ويعاني من فقر الأسئلة.