قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

تلاوة لا تشبه سواها.. معرض الكتاب يحتفي بتراث الشيخ محمد رفعت

معرض القاهرة الدولي للكتاب
معرض القاهرة الدولي للكتاب

شهد الصالون الثقافي بمعرض القاهرة الدولي للكتاب، اليوم، في قاعة بلازا (2)، برنامجًا متنوعًا، كان من بين محاوره الاحتفاء بالذاكرة الفنية والدينية، عبر تكريم أيقونة التلاوة المصرية الشيخ محمد رفعت، في إطار يبرز تلاقي الثقافة مع الفن والتراث الروحي.
 

بدأت الندوة المميزة للاحتفاء بشيخ المقرئين محمد رفعت، ضمن فعاليات الصالون الثقافي، احتفالًا بمرور 75 عامًا على رحيله، بتلاوة آيات من الذكر الحكيم بصوت الشيخ يوسف حلاوة، أحد القراء البارزين بالإذاعة والتلفزيون.

أعقب ذلك حديث للإعلامي القدير كمال نصر الدين، استعرض فيه نبذة عن المسيرة العطرة للشيخ رفعت، قائلًا: «لم يكن الشيخ محمد رفعت مجرد قارئ للقرآن الكريم، بل كان ظاهرة روحية وصوتًا استثنائيًا تسلل إلى وجدان الملايين، حتى صار اسمه مرادفًا للخشوع، وصار صوته بوابة يدخل منها السامع إلى عالم من السكينة والرهبة والجمال الإلهي. وهو أحد الأصوات التي لا تُقاس بالزمن، ولا تخضع لقوانين المقارنة، لأن حضوره يتجاوز الأداء إلى المعنى، ويتخطى التلاوة إلى الإيمان».
 

وقدّم مدير الأمسية السيدة هناء حسين محمد رفعت، حفيدة الشيخ محمد رفعت، التي تحدثت عن نشأته، موضحة أنه وُلد عام 1882 بحي المغربلين بالقاهرة، وكان طفلًا جميلًا للغاية، ما جعل والده يخشى عليه ويحمله دائمًا على ذراعيه. إلا أن الطفل أُصيب بمرض في عينيه، ومع عدم تقدم الطب آنذاك، فقد بصره في سن مبكرة، لكن هذه المحنة تحولت مع الوقت إلى نافذة نور، صقلت روحه ووجهت طريقه مبكرًا نحو حفظ القرآن الكريم.
وأتم الشيخ رفعت حفظ المصحف كاملًا وهو لا يزال طفلًا، وظهرت موهبته الفريدة في التلاوة منذ سنواته الأولى، بامتلاكه إحساسًا نادرًا بالمقامات، وقدرة مذهلة على تطويع الصوت لخدمة المعنى القرآني.
التحق الشيخ رفعت بالكُتّاب، ثم بدأ يتردد على حلقات التلاوة في المساجد الكبرى، حتى ذاع صيته في أرجاء القاهرة، وأصبح اسمه مطلوبًا في المناسبات الدينية الكبرى، لا بوصفه قارئًا حسن الصوت فقط، بل قارئًا صاحب مدرسة وروح.
ورغم الشهرة الواسعة، ظل الشيخ رفعت زاهدًا في الأضواء، رافضًا تحويل صوته إلى سلعة، أو استخدامه في غير موضعه. وعُرف بتمسكه الشديد بقدسية التلاوة، ورفضه القاطع لأي مقابل مادي مبالغ فيه، مكتفيًا بما يضمن له حياة كريمة.
وأكدت حفيدته حرصه الشديد على ألا يُتلى القرآن في أماكن اللهو أو المناسبات التي لا تليق بجلال النص، إيمانًا منه بأن القرآن يُقرأ ليهدي القلوب، لا ليملأ الفراغ.
وعن ندرة التسجيلات المذاعة له عبر الإذاعة، أوضحت حفيدته أنها تواصلت مرارًا مع الإذاعة، وقدّمت تسجيلات أخرى، كما التقت مؤخرًا بأحفاد من كانوا يسجلون للشيخ رفعت، وأخبروها بامتلاكهم عشر أسطوانات، بكل أسطوانة عشر قراءات، تحتاج إلى ترميم. وأكدت أنها بدأت بالفعل في ترميم هذه الأسطوانات تمهيدًا لإذاعتها خلال شهر رمضان، مشيرة إلى أنها تمثل كنزًا جديدًا من كنوز تراث الشيخ محمد رفعت.
وأشارت إلى مفارقة لافتة، إذ وُلد الشيخ في 9 مايو 1882، وتوفي في اليوم نفسه 9 مايو 1950، وهو ما يراه البعض من الكرامات. كما أوضحت أنه فقد والده في سن التاسعة، ليجد نفسه مسؤولًا عن أسرته وخالته الأرملة وأخيه وأخته، ما اضطره للعمل في القراءة.
وعند افتتاح الإذاعة المصرية عام 1934، تم الاستعانة به لافتتاحها بتلاوة آيات من القرآن الكريم. ورغم العروض التي قُدمت له للقراءة في مساجد كبرى، مثل مسجد الإمام الحسين والسيدة زينب، ظل وفيًا لمسجد فاضل باشا الذي تعلم فيه، حتى آخر يوم في حياته.
وفي استكمال لمسيرة الشيخ محمد رفعت، تحدث الأستاذ الدكتور هيثم أبو زيد، الباحث في تراث التلاوات، مؤكدًا أن صوته حالة فريدة، تجمع بين الصفاء والحنان والخشوع الصادق بلا تصنّع، موضحًا أن تلاوته لم تكن استعراضًا صوتيًا، بل عبورًا هادئًا من الحرف إلى القلب.
وفي ختام الأمسية، جاءت مداخلات ثرية من الإعلامي محمود التميمي، كما أثنى الإعلامي حسن الشاذلي على اللقاء، موجهًا الشكر لمعرض القاهرة الدولي للكتاب على حرصه على تنظيم مثل هذه الفعاليات.
وتبقى مسيرة الشيخ محمد رفعت نموذجًا خالدًا للعطاء الروحي الصادق، فقد رحل عام 1950 بعد أن أصيب بمرض أفقده القدرة على التلاوة، تاركًا تراثًا صوتيًا محدود التسجيلات، عظيم الأثر، وصوتًا لا يزال حيًا في وجدان الأمة، يهمس للروح كلما ضاقت الدنيا: ﴿ألا بذكر الله تطمئن القلوب﴾.