استيقظ الليبيون على خبر صادم أعاد خلط أوراق المشهد السياسي الهش، مع الإعلان عن مقتل سيف الإسلام القذافي، الشخصية التي ظلت لسنوات حاضرة بالغياب، وغائبة بالحضور، ومحل جدل واسع داخل ليبيا وخارجها.
الرجل الذي اعتبره أنصاره الوريث السياسي للنظام السابق، وأحد أبرز الأسماء القادرة على قلب موازين المرحلة الانتقالية، خرج من المشهد نهائيًا، لا عبر صناديق الاقتراع، بل برصاصات غامضة داخل مقره في مدينة الزنتان.

تفاصيل الاغتيال.. هجوم خاطف وغموض كامل
بحسب روايات متطابقة نقلتها مصادر ليبية مقربة من عائلة القذافي، فإن سيف الإسلام، البالغ من العمر 53 عامًا، قُتل إثر هجوم مسلح نفذه أربعة أشخاص مجهولين اقتحموا مقر إقامته في منطقة الحمادة جنوب الزنتان. وأوضحت المصادر أن المهاجمين عمدوا إلى تعطيل كاميرات المراقبة قبل إطلاق النار عليه بشكل مباشر، ثم لاذوا بالفرار في وقت قياسي، ما زاد من تعقيد مهمة تعقبهم.
وأكد مستشاره السياسي عبد الله عثمان، في بيان مقتضب، أن العملية نُفذت بطريقة احترافية، واصفًا ما جرى بـ”الهجوم الغادر”، في وقت لم تصدر فيه السلطات الليبية حتى الآن بيانًا رسميًا يوضح ملابسات الحادث أو الجهة المسؤولة عنه.
صدمة سياسية وانقسام شعبي
أثار اغتيال سيف الإسلام حالة من القلق العميق داخل الأوساط السياسية الليبية، حيث يُنظر إليه كحدث مفصلي قد ينعكس سلبًا على أي مساعٍ لإعادة إحياء العملية السياسية المتعثرة. فالراحل كان يُعد ورقة إشكالية في معادلة التوازنات، إذ يمتلك قاعدة شعبية لا يستهان بها، خصوصًا في مناطق جنوب وغرب البلاد، دون أن يستند إلى قوة عسكرية أو تشكيلات مسلحة.
وفي الشارع الليبي، انقسمت الآراء بين من يرى أن الجريمة ذات أبعاد داخلية مرتبطة بصراع النفوذ، ومن يرجح وجود أطراف خارجية خشيت من عودته المحتملة إلى المشهد السياسي، في ظل ما كان يُعرف عنه من امتلاكه معلومات وملفات حساسة.
مسيرة مثيرة للجدل
وُلد سيف الإسلام عام 1972، ودرس الهندسة في جامعة طرابلس قبل استكمال تعليمه في أوروبا. ومنذ مطلع الألفية، لعب دورًا غير رسمي لكنه مؤثر في السياسة الليبية، وقاد ملفات معقدة على الصعيدين الداخلي والدولي، أبرزها تسوية أزمات مع دول غربية.
وفي عام 2006، أطلق مشروع “ليبيا الغد”، الذي اعتُبر آنذاك محاولة لإعادة تدوير النظام بواجهة إصلاحية. ومع اندلاع أحداث 2011، تحول إلى أحد أبرز المدافعين عن حكم والده، وظهر في خطابات متلفزة أثارت جدلًا واسعًا داخل ليبيا وخارجها.
من السجن إلى محاولة العودة
بعد إلقاء القبض عليه في نوفمبر 2011، احتُجز سيف الإسلام في الزنتان، ورفضت السلطات الليبية تسليمه إلى المحكمة الجنائية الدولية، التي طالبت بمحاكمته بتهم تتعلق بجرائم ضد الإنسانية. ورغم صدور حكم بالإعدام بحقه غيابيًا عام 2015، عاد اسمه إلى الواجهة بعد الإفراج عنه بموجب قانون العفو العام.
وفي عام 2021، فاجأ الجميع بإعلانه الترشح للانتخابات الرئاسية، في خطوة أعادت إشعال الجدل حول دوره المستقبلي، قبل أن تتعطل العملية الانتخابية برمتها.
نهاية مفتوحة على المجهول
برحيل سيف الإسلام القذافي، تُطوى صفحة من أكثر الصفحات إثارة للجدل في تاريخ ليبيا الحديث، لكن الأسئلة تبقى مفتوحة حول تداعيات غيابه، وما إذا كان اغتياله سيؤدي إلى تهدئة المشهد أم إلى مزيد من التعقيد والانقسام، في بلد لم يلتقط أنفاسه منذ أكثر من عقد.
ومن جانبه، قال المحلل السياسي، إبراهيم بلقاسم، إن ما جرى لسيف الإسلام القذافي لم يكن مفاجئًا من حيث المبدأ، في ظل ما تعرّض له سيف الإسلام خلال الفترة الماضية من محاولات اغتيال متكررة وضغوط متزايدة على أنصاره، إلا أن عنصر المفاجأة تمثّل في توقيت الحادث.
وأضاف بلقاسم في تصريحات لـ “صدى البلد”، أن التقديرات كانت تشير إلى احتمال وقوع مثل هذا التطور في مرحلة لاحقة، لكن تسارعه يرتبط بإعادة ترتيب المشهد السياسي الليبي في ظل تقارب نسبي بين أطراف سياسية مختلفة.
وأشار بلقاسم إلى أن سيف الإسلام كان يشكّل مصدر قلق حقيقي للقوى السياسية الرئيسية في ليبيا، نظرًا لما يمتلكه من قاعدة شعبية واسعة، معتبرًا أن التيار المؤيد له وللنظام السابق لا يعتمد على ميليشيات مسلحة، بل يستند إلى حضور شعبي، وهو ما زاد من مخاوف خصومه. وأشار إلى أن إيمانه بالحلول السلمية كلّفه ثمناً باهظاً، واصفًا الجريمة بالبشعة، ومؤكدًا أنها فجّرت انقسامًا واسعًا داخل الشارع الليبي بشأن الجهة المنفذة، سواء كانت داخلية أو خارجية.
ولفت بلقاسم إلى أن سيف الإسلام ورث عن والده قيادة أنصار النظام السابق، كما ورث الجدل المحيط باسمه، إلى جانب قدرته على تجاوز القيود وكسر الخطوط الحمراء من خلال علاقاته المتشعبة مع مختلف الأطراف، فضلًا عن امتلاكه معلومات وتسريبات حساسة من شأنها أن تُقلق أطرافًا غربية عديدة.