قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

أحمد عاطف آدم يكتب : التحسُّس لا التحسُّب .. كيف نستقبل رمضان؟

أحمد عاطف آدم
أحمد عاطف آدم

​كلما اقتربت الأيام من "مضمار السباق" الرمضاني، داهمتنا نسماتٌ عليلة تأتي من جهة اليقين، محملةً بعبير شهر شعبان؛ ذلك الشهر الذي كان النبي ﷺ يخصه بفيضٍ من صيام، وكأنه يروض النفس على الطاعة قبل بلوغ الغاية. وحين قال ﷺ: "خذوا من العمل ما تطيقون"، لم يكن يقصد حصر العبادة في الجهد البدني المعتاد فحسب، بل فتح لنا باباً واسعاً من العمل الذي تطيقه القلوب وتزكو به الأرواح، وهو "جبر الخواطر"؛ تلك العبادة التي لا تحتاج سوى لقلبٍ حي، وابتسامة صدق، ويدٍ تمتد في الخفاء.

​وهنا ندرك أن هذه الأيام التي تسبق الشهر الكريم ليست مجرد عدٍّ تنازلي للزمن، بل هي "ميقاتٌ للقلوب" واختبارٌ حقيقي لمعدن الإنسانية. في هذه الآونة، تتجه الأبصار والقلوب نحو أولئك الذين يحملون أثقال الحياة بصمت؛ الفقراء الذين يرقبون الهلال بآمالٍ مشوبة بالحذر، ويرون في رمضان ملاذاً لجبر الخواطر وميداناً يتسابق فيه النبلاء لمسح غبار الحاجة عن وجوه أطفالهم. هي أيام "التحسُّس لا التحسُّب"؛ حيث يفتش المؤمن عن كربةٍ يزيلها قبل أن يرتفع الأذان الأول لصلاة التراويح، مدركاً أن إدخال السرور على قلبٍ مكسور هو أصدق تمهيد لروحانية الصيام.

​وعلى خطى السلف في فقه القلوب، تستوقفنا من أدبياتهم قصةٌ تحمل في طياتها ملامح العزة والمروءة؛ إذ يُحكى عن رجلٍ ضاقت عليه الأرض بما رحبت، ولم يكن يؤرقه سوى كيف سيستقبل الشهر الكريم وهو "خالي الوفاض"، منكسر الوجدان أمام دمعات صغاره. وبينما هو في ذروة انكساره، سخر الله له عابراً للمروءة، لم يمنحه "فضلة مال" فحسب، بل منحه "حياة" حين سعى في قضاء دينه وتأمين كفايته. يقول ذلك الرجل: "والله ما أحياني المال بقدر ما أحيتني لمسة اليد وابتسامة الرفق، فدخل عليَّ رمضان وكأنني وُلدت من جديد". هذه الصورة ليست مجرد حكاية عابرة، بل هي تجسيد للعناية الإلهية حين يسوق الله -عز وجل- بحكمته المدد في هيئة بشر؛ ليرمموا ندوب العوز قبل حلول شهر الكرم.

​إن جبر الخواطر في هذه الأيام تحديداً هو أسمى صور الاستعداد؛ فالفقير يداهمه الآن "فكرٌ موحش" وقلقٌ مضنٍ حول سد حاجة أبنائه، فكيف لقلبٍ أن يهنأ ببهجة الاستعداد وهو يعلم أن جاراً له يبيت على هَمِّ العوز؟ فالأخذ بيد هؤلاء ليس تفضلاً، بل هو واجبٌ أخلاقي وبشري يُرمم تصدعات النفوس التي أرهقها واقع الحياة.

​فليكن عطاؤنا في هذه النفحات جسراً يعبر عليه المتعبون من ضيق العوز إلى سعة الرجاء، وامتثالاً لقول الحق سبحانه: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾. لنستقبل رمضان بقلوبٍ خالية من الشح، وأيدٍ ممدودة بالحب؛ لعلنا نكون ممن جَبَروا فَجُبِروا.