لم تكن قصة وفاة الدكتورة آلاء جمعة مجرد خبر عابر عن رحيل طبيبة شابة بعد صراع مع مرض السرطان، بل تحولت إلى حكاية إنسانية عميقة أعادت طرح أسئلة كبرى عن معنى العطاء، وقيمة الإخلاص، وكيف يمكن لإنسان واحد أن يترك أثرًا يتجاوز عمره القصير. فمع انتشار تفاصيل مبادرتها الخفية، غمر الحزن قلوب المصريين، واختلطت الدموع بالإعجاب أمام نموذج نادر للبر والصدق مع الله.
مبادرة من القلب.. فرحة مؤجلة وصدقة باقية
بينما كانت زميلاتها في كلية الطب يخططن لحفل التخرج، وتفاصيل الفساتين وقاعات الاحتفال، اتخذت آلاء طريقًا مختلفًا تمامًا. في صمت كامل، ومن دون أي إعلان أو بحث عن تقدير، اقترحت إلغاء حفل تخرج دفعتها، وتوجيه نفقات الاحتفال لشراء جهاز غسيل كلوي للأطفال لصالح مستشفى سيد جلال الجامعي.
بلغت قيمة الدفعة الأولى التي تبرعت بها نحو 185 ألف جنيه، لم تكن مالًا فائضًا، بل كانت ثمن فرحة انتظرتها سنوات، اختارت أن تجعلها صدقة جارية، وحلمًا مؤجلًا في ميزان حسناتها.
«صدقة السر».. حين يكون العطاء بلا شهود
ما يلفت في قصة آلاء ليس حجم التبرع فقط، بل الطريقة. لم تُخبر أحدًا، لم تكتب منشورًا، ولم تلتقط صورة. ظلت الحكاية طي الكتمان حتى بعد وفاتها، وكأنها أرادت أن يكون الأمر خالصًا لله وحده.
وحين انكشفت التفاصيل بعد رحيلها، بدا المشهد وكأنه رسالة سماوية: هناك من يزرع الخير بعيدًا عن الأضواء، ويغادر الدنيا وقد ترك أثرًا لا يزول.
عبادة حتى اللحظة الأخيرة
لم يكن العطاء هو الوجه الوحيد في حياة آلاء، بل كانت العبادة رفيقة أيامها حتى آخر نفس. مع اشتداد المرض وعجزها عن الحركة، وحين أصبحت المياه خطرًا على صحتها، طلبت الرمل لتتيمم وتؤدي صلاتها من فراشها.
حتى وهي في طريقها إلى العناية المركزة، كانت لا تزال تفكر في غيرها، إذ تركت خلفها أربع شنط مواد غذائية كانت قد أعدتها للفقراء، دون أن يعلم أحد عنها شيئًا.
وداع يليق بسيرة نقية
رحلت آلاء وهي تطمئن والدتها بكلمات موجعة: «مش عايزة أشوف الحسرة في عينك يا أمي»، وكأنها كانت تهيئ قلب أمها للفراق قبل وقوعه.
وفي مشهد مؤثر، شهدت جنازتها حضورًا كبيرًا، وتنافس عدد من كبار المشايخ والعلماء على نيل شرف الصلاة عليها، في دلالة على ما تركته من سيرة طيبة ومحبة صادقة في القلوب.
أثر لا يموت.. جهاز يغسل الألم قبل الدم
الجهاز الذي تبرعت به آلاء لن يكون مجرد آلة طبية، بل شريان حياة لأطفال أنهكهم المرض. كل جلسة غسيل، وكل نفس يعود لطفل صغير، سيظل شاهدًا على أن هناك من اختارت أن تحيا في قلوب الناس حتى بعد الرحيل.
رحلت الجسد وبقي المعنى
قصة الدكتورة آلاء جمعة ليست قصة وفاة، بل حكاية حياة مكتملة المعنى. فتاة خجولة من ربها، باعت فرحة عابرة، واشترت أثرًا خالدًا. رحلت بهدوء، لكن سيرتها أحدثت ضجيجًا من الدروس والعبر، لتذكرنا أن العطاء الصادق لا يحتاج إلى ضوء، وأن بعض الأرواح تُخلق لتدلّنا على الطريق ثم تمضي.