يظل الذهب واحدًا من أكثر الأصول التي تحظى بمتابعة يومية من المواطنين والمستثمرين على حد سواء، ليس فقط باعتباره معدنًا ثمينًا للزينة، بل كأداة ادخار وحماية من تقلبات الاقتصاد.
وخلال الفترة الأخيرة، عادت أسعار الذهب إلى صدارة الاهتمام العالمي بعد توقعات متفائلة رفعتها مؤسسات مالية كبرى إلى مستويات قياسية قد تصل إلى آلاف الدولارات للأونصة، ما أعاد طرح سؤال قديم متجدد: لماذا يظل الذهب هو الملاذ الأكثر ثقة في أوقات عدم اليقين؟

الذهب عبر التاريخ كملاذ آمن
منذ قرون طويلة، ارتبط الذهب بالقيمة والاستقرار المالي، إذ استخدمته الدول كغطاء نقدي واحتياطي استراتيجي، بينما لجأ إليه الأفراد لحفظ المدخرات بعيدًا عن مخاطر التضخم وتقلب العملات.
وفي فترات الأزمات الاقتصادية والحروب، كان الذهب غالبًا أول الأصول التي تتجه إليها السيولة العالمية، باعتباره أصلًا محدود المعروض ويحافظ على قيمته عبر الزمن.
هذه المكانة التاريخية تفسر استمرار البنوك المركزية حتى اليوم في زيادة احتياطاتها منه ضمن سياسات تنويع الأصول وتقليل المخاطر.
أحدث تطورات أسعار الذهب عالميًا
شهدت أسعار الذهب حالة من الاستقرار النسبي مع إغلاق تعاملات نهاية الأسبوع، بعد موجة تقلبات بين ارتفاعات قوية وتراجعات مفاجئة.
وبلغ سعر الأونصة نحو 4968.56 دولارًا في 6 فبراير 2026، بزيادة تقارب 3.98% مقارنة بالإغلاق السابق، مع ارتفاع شهري تجاوز 11%، وفق بيانات منصات الأسواق العالمية.
كما تشير التقديرات إلى أن الذهب حقق مستويات قياسية تاريخية خلال يناير 2026 عندما لامس أكثر من 5608 دولارات للأونصة، ما يعكس قوة الطلب العالمي على المعدن النفيس.
وتتوقع نماذج الاقتصاد الكلي أن يتحرك السعر قرب 5021 دولارًا بنهاية الربع الحالي، مع إمكانية بلوغه نحو 5346 دولارًا خلال 12 شهرًا إذا استمرت الظروف الداعمة.
أسباب التقلبات الأخيرة في السوق
جاءت التحركات الأخيرة مدفوعة بعدة عوامل، أبرزها بيانات اقتصادية أمريكية ضعيفة عززت توقعات خفض الفائدة، وهو ما يدعم عادة صعود الذهب.
كما ساهم ضعف الدولار في زيادة جاذبية المعدن، بينما حد ارتفاع عوائد السندات من وتيرة المكاسب.
وتؤثر كذلك قرارات رفع هوامش التداول في البورصات على مراكز المضاربة، ما يسبب تذبذبات قصيرة الأجل دون أن يغير اتجاه الطلب الحقيقي.
توقعات قياسية تصل إلى 6300 دولار
رفعت مؤسسات مالية عالمية توقعاتها لمستقبل الذهب خلال 2026، حيث تشير تقديرات إلى إمكانية وصول السعر إلى نحو 6300 دولار للأونصة بنهاية العام، وهو من أكثر السيناريوهات تفاؤلًا في السوق.
كما تضع بنوك كبرى أخرى مستهدفات قريبة من هذا المستوى، إذ ترى بعض التقديرات إمكانية بلوغ 6200 دولار، بينما تعتبر مستويات 6000 دولار هدفًا قابلًا للتحقق في ظل استمرار الطلب الاستثماري وشراء البنوك المركزية.
وفي تقدير أقل تفاؤلًا، تتوقع تحليلات مؤسسية تحرك الأسعار نحو 5000 دولار خلال 2026 مع إمكانية الارتفاع على المدى الأطول.
لماذا يراقب المواطنون أسعار الذهب؟
متابعة أسعار الذهب لا تقتصر على المستثمرين الكبار، بل أصبحت سلوكًا يوميًا لدى المواطنين، خاصة في الدول التي تشهد تقلبات في أسعار العملات أو معدلات التضخم. فالذهب يمثل وسيلة ادخار آمنة، ويستخدم في المناسبات الاجتماعية مثل الزواج، كما يعد مؤشرًا مبكرًا على اتجاهات الاقتصاد. وعند ارتفاع الأسعار، يتجه البعض للبيع وجني الأرباح، بينما يرى آخرون أن أي هبوط يمثل فرصة للشراء طويل الأجل.
الذهب بين المخاطر والفرص
رغم النظرة الإيجابية على المدى المتوسط، يؤكد خبراء الأسواق أن الذهب يظل عرضة لتقلبات قصيرة نتيجة السياسات النقدية وتحركات الدولار والعوائد، إلا أن الاتجاه العام يبقى مدعومًا بعوامل جيوسياسية وطلب قوي من الأسواق الناشئة. وبين موجات الصعود والهبوط، يستمر الذهب في لعب دوره التاريخي كـ"ملاذ أخير" يلجأ إليه الأفراد والدول عندما تتزايد الضبابية الاقتصادية.
وتؤكد التوقعات القياسية الجديدة أن الذهب ما زال في قلب المشهد المالي العالمي، ليس فقط كمعدن ثمين، بل كأداة ثقة واستقرار. ومع استمرار التقلبات الاقتصادية العالمية، سيبقى تتبع أسعاره جزءًا من يوميات المواطنين، لأنه ببساطة يعكس نبض الاقتصاد ويمنح حامليه شعورًا بالأمان في زمن تتسارع فيه المخاطر.