قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

عبد السلام فاروق يكتب: وانتهى المعرض كأجمل حلم عابر

عبد السلام فاروق
عبد السلام فاروق

انتهى الحدث الحافل، وأغلق معرض القاهرة الدولي للكتاب أبوابه بعد ماراثون  ثقافي وفني عالمي متنوع ..
عبر أمامنا كالحلم دون أن نملي أعيننا منه أو نشبع وجداننا من زخمه وتجلياته. ذلك المحفل الثقافي الاستثنائي الذي يأتي كالعيد من العام إلى العام.. طوت الصفحة السابعة والخمسين من تاريخ معرض الكتاب صفحاتها الصاخبة الملأي بالأفراح والأحداث والناس يأتون إليه من كل حدب وصوب..
ليس حدثاً ثقافياً عادياً، ولا محفلاً كأي احتفال؛ بل هو الجسر الذي عبرنا منه إلى عقول الناس، وعبروا منه إلي أفكارنا ورؤانا. إنه اللحظة الاجتماعية الثقافية التي تغمرنا كل عام بزخمها الفياض العامر بالأطايب والخير العميم. 
رغم كل شيء؛ رغم الأحداث الملتهبة حول العالم، صنعنا الحدث كأجمل وأروع ما يكون، وكشفت القاهرة عن أنها ستظل مركزاً للإشعاع الثقافي والحضاري على الدوام.
رقم قياسي جديد
 قبل أن تنتهي الدورة، سجل المعرض إقبالًا جماهيريًا غير مسبوق؛ فقد تجاوز إجمالي الزائرين ٦ملايين زائر، وهو رقم يزيد عن أعلى حضور ليس في السنوات الماضية فقط. ، لكن في تاريخ المعرض ذاته، متجاوزًا الرقم الذي سجلته الدورات السابقة والذي بلغ نحو 5.5 مليون زائر حتى نهاية فبراير 2026، ما يعكس نسبة حضور يومية متزايدة وعلى مستويات أوسع من الفئات العمرية والثقافية والاجتماعية المختلفة. 
هذه الأرقام بحجمها القياسي الاستثنائي تؤكد أن الثقافة والكتاب لا يزالان عامل جذب قويًا في مصر، وأن القراءة ما زالت تستقطب الجماهير، حتى في زمن الرقمنة والوسائط المتعددة، وبرغم كل ما يلم بالمنطقة والعالم من أحداث مقلقة تثير التوتر، بل ربما بسبب هذا التوتير نفسه!
إن الثقافة لو تذكرون لطالما ارتقت وانتعشت فى ظل الأحداث الساخنة والمنعطفات التاريخية التي تمر على العالم. وقد يكون إقبال الناس على الثقافة مؤثرا لتوترهم الذي شاؤوا إزالته بالاستدفاء ببعضهم البعض أو بالكتاب!
الثقافة تتحدي الأحداث
وسط عالم متوتر يقف على الحافة، وتتسارع فيه إرهاصات صدام إقليمي وعالمي؛ تهديدات أمريكية لإيران، حروب مفتوحة وأخرى مؤجلة، اقتصاد عالمي مرتبك، وخطاب إعلامي مشحون بالخوف والاستقطاب. فى ثنايا هذا المشهد يأتي معرض الكتاب كحدث هائل لا يمثل ترفاً نخبوياً متعالياً على المشهد العام، بل تراءي للناس كمساحة مقاومة هادئة، تعيد الاعتبار للعقل، وتذكر بأن الثقافة ليست زينة زمن السلم، بل ضرورة زمن الاضطراب. وهو أمر يتماس مع ما رصدته ورصده غيري من تفشي ظاهرة مؤلفات وإصدارات السير الذاتية والغيرية فى كل دور النشر العامة والخاصة؛ وهو أمر ملفت يثير الانتباه. ففي أوقات الأزمات نعود للجذور من رموزنا الفكرية نستقي منهم الحكمة، ونحاول التعبير عن ذواتنا من خلال خواطرنا الحرة الخالية من الخيال، والممعنة فى وصف اللحظة؛ ومدي انفعالنا بها..
فحين تتصاعد التهديدات والمخاوف، يميل الخطاب العام للاختزال والطمأنة والحجب، أما الثقافة فتسير في الاتجاه المعاكس؛ تبطئ الإيقاع وتفتح الأسئلة، وتعقد ما يراد له أن يكون بسيطاً وقابلاً للتعبئة. بهذا المفهوم، تصبح الثقافة فعلاً مضاداً للهلع الجماعي، لأنها ترفض الانجرار وراء منطق الخوف، وتعيد صياغة العلاقة مع الواقع بوصفه موضوعاً للفهم لا للذعر.
معرض الكتاب، في هذا السياق، ليس مجرد رفوف تصطف فيها الكتب وتتراكم فيها أكداس الأوراق، لكن حل بديل، يتجاور فيه المختلفون دون صراع، ويتحاور فيه المتناقضون بلا غِل ولا أغلال. إنه نموذج مصغر لعالم ممكن، لا يدار بالصواريخ ولا بالتهديدات، إنما بالكلمة والاختلاف؛ بالفكر والفكر المضاد.
محفل مصري عالمي
معرض القاهرة للكتاب فى نسخته السابعة والخمسين جاء كشهادة عالمية تجلت فى حجم المشاركات الدولية؛ فقد شهد المعرض مشاركة 1,457 دار نشر من 83 دولة حول العالم، إضافة إلى 6,637  عارضًا يمثلون أطيافًا واسعة من الإصدارات والأفكار. 
هذا التمثيل الدولي ليس مجرد رقم ضخم يقال للاستعراض والتباهي؛ بل هو مرآة تعكس حجم التبادل المعرفي بين الثقافات انطلاقاً من المحفل الثقافي المصري السنوي المهم، وللدور الذي تلعبه القاهرة في موقعها كمركز إقليمي للحوار الفكري؛ إذ يزيد هذا التنوع من فرص اللقاء بين مؤلف وقارئ وناشر ومترجم ومفكر..
لم يكن الهدف من المعرض هو بيع الكتب فحسب، بل كان مساحة للحوار والمعرفة، إذ تضمن برنامج الدورة حوالي 400 حدث ثقافي و100 حفل توقيع وحوارات وندوات مختلفة، وشمل ذلك شعرًا، وأدبًا، ونقاشات في موضوعات الفكر والسياسة والعلوم الإنسانية. 
في هذه الفعاليات، يجد الزائر نفسه في مواجهة مباشرة مع أصحاب الفكر والشعر، ليستقي من رؤاهم، لا من الكتب وحدها، بل من التفاعل والنقاش والاشتباك مع السؤال الثقافي المعاصر.
ليس أدل على أن مصر تحظي بعالمية الأثر الثقافي والحضاري من أننا احتفينا هذا العام بأديب نوبل "نجيب محفوظ" كشخصية المعرض لهذا العام، للتأكيد على عالمية الفكر المصري وتماسه مع القضايا الإنسانية والفكرية حول العالَم.
آفاق جديدة للنشر والتأليف
كشفت الأرقام تنوعاً كبيراً لأطياف جمهور القراء والمثقفين والمهتمين بالحدث الثقافي الكبير..
من الأطفال إلى كبار السن، من الطلاب والأكاديميين إلى القراء العاديين، من المثقفين إلى العوام، من المصريين والأجانب والعرب.. هذا التنوع عكس حقيقة أن الكتاب لم يعد حكراً على نخبة معينة، أصبح جزءًا من النسيج الاجتماعي اليومي.. زاد من وضوح هذه الحقيقة أن المعرض خصص فعاليات مرتكزة على الطفل والأسرة والقراءة التفاعلية، ما أكد دور القراءة والثقافة الجامعة على مد جسور التواصل بين الأجيال المتعاقبة.
ثم إننا لا نستطيع إغفال الجانب الاقتصادي للحدث الحافل؛ فالمعرض لم يكن مجرد مساحة لعرض الكتب، أيضًا سوقًا للنشر والتجارة والعلاقات المهنية بين دور النشر المحلية والعالمية، وبيئة لصياغة اتفاقيات الترجمة وبيع الحقوق الأدبية.
الرقم الضخم لدور النشر والدول المشاركة يشي بأن صناعة النشر لا تزال تحتفظ بأهميتها الاقتصادية في النظام المعرفي العالمي، وأن الأسواق الثقافية ما زالت بحاجة إلى منصات حية للتواصل المباشر بين المنتج الثقافي والمستهلك، وأننا بعد انتهاء المعرض علينا أن نفكر فى توسعة الأسواق الفكرية والثقافية بتشجيع المشروعات الثقافية الخاصة الناشئة فى المحافظات، وتشجيع زيادة عدد منافذ بيع الكتب فى كل قرية ومدينة فى مصر؛ تحفيزاً للثقافة فى مواجهة دواعي الجهل والقبح والتردي الفكري.
سؤال الحاضر والغد
من الملاحظات المهمة أن حضور الشباب كان لافتًا في هذه الدورة؛ وهو حضور لا يتجسد فقط في الحضور الكمي، بل في المشاركة في الندوات والحوارات وورش العمل. هذا يطرح سؤالًا جوهريًا هل نحن أمام جيل يقرأ ويناقش ويتفاعل، أم أنه حضور موسمي فقط؟ إن الإقبال الشبابي، إذا ما تمت قراءته بعمق، قد يشير إلى حركة ثقافية ناشطة تبحث عن الفضاء المناسب للتعبير والمعرفة، ما يستدعي توجيهًا أعمق لدعم هذه الديناميكية داخل المجتمع.
رغم عالمية المعرض وزخمه الدولي، لا يمكن تجاهل سياقه الوطني؛ فهو حدث يعكس جزءًا من الهوية الثقافية المصرية ودورها التاريخي في المشهد العربي. لقد استطاع المعرض أن يكون منصة تلتقي فيها روافد الفكر المصري مع الآخر، وأن يفتح باب الحوار بين التجربة المحلية والتجارب العالمية؛ من خلال الورش والندوات والمحاضرات التي تناولت التاريخ والهوية واللغة، هكذا يتأكد أن المعرض كان مسرحًا لفهم الذات الوطنية ضمن سياق عالمي موسع. إن الأمر الذي جمع بين كل هذه الأرقام والفعاليات هو التنوع؛ تنوع في الجنسيات وعناوين الكتب والفعاليات والضيوف ولغاتهم وأجناسهم وأعمارهم. هذا التنوع لا يشير فقط إلى الكم الضخم الملفت، بل إلى تنوع الرؤى والمعارف، ما يجعل المعرض نموذجًا لما يمكن أن يكون عليه الأفق الثقافي فى المستقبل القريب.
ومع نهاية الحلم القصير العابر كأجمل ما ننتظره ونصادفه؛ يمكننا القول إن معرض القاهرة الدولي للكتاب يبقي فى قلوب زائريه أثرًا ثقافيًا لا يزول بعد انتهائه؛ نتحدي به مخاوفنا ونعبر به جسراً صاغته الكتب والسطور والأفكار نحو غد واعد خال من القلق.