في زحام الشوارع وأسواق الخضار بين السنبلاوين ودكرنس بمحافظة المنصورة، لم يكن إسلام حسين يتخيل أن حياته ستنقلب رأسًا على عقب في لحظة، وأن يتحول من شاب يسعى وراء لقمة العيش إلى سندٍ وحيدٍ لأمٍ أنهكها المرض، وحاصرها العجز، وتخلى عنها أقرب الناس.
قصة إسلام لم تبدأ بفيديو انتشر على مواقع التواصل، بل بدأت بوجعٍ صامت داخل بيت بسيط، وبأمٍ تجاوزت الثالثة والسبعين من عمرها، كانت يومًا ما عمود هذا البيت وركيزته.
أم كانت السند.. فأصبحت تحتاج من يسندها
يقول إسلام،في تصريحات خاصة لـ صدي البلد، وهو أصغر إخوته ويبلغ من العمر 37 عامًا، إنه نشأ في أسرة تضم أخًا أكبر وأختًا كبرى، وكلاهما في حالٍ ميسورة. أخوه لديه ابنة متزوجة وأحفاد، ولديه مصدر رزق مستقر، وأخته متزوجة ولم يُكتب لها الإنجاب. أما هو، فكان يعمل بائعًا في أسواق الخضار، يخرج قبل الفجر ويعود قبل العصر في أحيانًا أخرى، باحثًا عن الرزق في الأسواق الشعبية بين السنبلاوين ودكرنس.

لكن في يوليو 2024، تغير كل شيء.
يضيف إسلام: “مرة واحدة أمي تعبت، وحصلت لها مضاعفات مفاجئة. الحالة ساءت بسرعة، ومع الأسف حصلت أخطاء في العلاج في البداية، وزادت الأمور سوءًا”.
الأم، التي كانت يومًا تقف في ظهر أبنائها، وتعمل وتكدّ لتجهزهم وتساعدهم وتساندهم، أصبحت فجأة طريحة المرض، تحتاج من يطعمها ويعالجها ويغير عليها ملابسها، ويأخذ بيدها في أصعب مراحل العمر.
خلافات الإخوة.. وقرار المواجهة وحده
بحسب رواية إسلام، فإن الخلافات العائلية لعبت دورًا في تعقيد المشهد. يقول إن أشقاءه “استخسروا” الإنفاق على علاج الأم في البداية، وإن هناك سوء تقدير لما تحتاجه من رعاية ومصاريف.
“أمي عندها مشاكل صحية كبيرة، ومحتاجة متابعة مستمرة، لكن للأسف حصل تقصير” ،وسط هذا المشهد، اتخذ قراره أن يتحمل المسؤولية وحده.
لم يكن يملك دخلًا ثابتًا، ولم يكن متزوجًا أو لديه أولاد، لكنه كان يرى أن ترك والدته في هذه المرحلة خيانة لكل ما قدمته. “أمي وقفت في ظهرنا، وجوزت إخواتي، وكانت بتشتغل وبتجيب لهم ولعيالهم، وما قصرتش في حاجة”.
من شقة إلى أخرى.. رحلة البحث عن مأوى
المأساة لم تقف عند حدود المرض. فالأم لا تتقاضى معاشًا، ولا تتمتع بتأمين صحي، ولا يوجد مصدر دخل ثابت يعينهما على مصاريف العلاج والإيجار.
يقول إسلام إنه اضطر إلى الانتقال من شقة إلى أخرى بسبب الإيجار، إذ لم يكن قادرًا على الالتزام بقيمة ثابتة في ظل غياب الدخل. “كل شوية أغير شقة، عشان الإيجار. الراجل يطلب الشقة، وألاقي نفسي مضطر أمشي”.
كانت رحلة التنقل هذه مرهقة للأم قبل الابن. سيدة في الثالثة والسبعين، تعاني المرض، تنتقل من مكان إلى آخر، بلا استقرار، وبلا أمان.
أما الفيديو الذي انتشر له وهو يحمل والدته على كتفه، فيؤكد أنه جاء بالصدفة، ولم يكن بقصد الشهرة أو “الترند”. “ما كانش مقصود خالص، حصل بشكل عفوي، وأنا ما كنتش مستني شهرة ولا حاجة”.
ويضيف إسلام بصوتٍ يختلط فيه الحزن بالإنهاك: “الواحد بقاله سنتين بره الدنيا… أنا ووالدتي بقينا بره الدنيا بمعنى الكلمة. مش بنختلط بحد، ولا لنا حياة زي الناس. حياتنا بقت محصورة بين أربع حيطان، ودواء، ومصاريف، وهمّ متراكم. إحنا بره الدنيا نهائي… كأن الدنيا ماشية وإحنا واقفين مكانّا. مفيش خروج، مفيش فرح، مفيش أي إحساس بالحياة غير القلق والتفكير في بكرة هيبقى شكله إيه”
نداء إلى محافظ الدقهلية
وسط هذه الظروف، وجّه إسلام نداءً مباشرًا إلى اللواء طارق مرزوق، محافظ الدقهلية، مؤكدًا أنه سمع عنه كل خير، وأنه يتمنى أن تصل إليه قصته.
يقول: “أنا مش بطلب كتير. لو في سكن بسيط، أو كشك أقدر أشتغل فيه، ده هيبقى مصدر دخل وفي نفس الوقت أمي تبقى تحت عيني”.
بالنسبة له، الكشك ليس مجرد مشروع صغير، بل طوق نجاة. مصدر رزق يحفظ له كرامته، ويمنحه القدرة على الإنفاق على علاج والدته، ويمنحهما استقرارًا يفتقدانه منذ شهور.
الإحساس بالعجز.. الوجع الأصعب
أصعب ما يمر به إسلام ليس الفقر، ولا المرض، ولا حتى قلة الحيلة. بل “الإحساس بالعجز”، كما يصفه.
“أصعب حاجة في الدنيا إنك تبقى واقف عاجز، مش عارف تعمل حاجة. ساعات الواحد بييجي عليه وقت يتمنى الموت أهون من العجز”.
كلمات ثقيلة تخرج من شاب لم يتزوج بعد، لكنه يقول إنه عرف معنى “الضنا” وهو يعتني بأمه. يرى في رعايتها واجبًا لا نقاش فيه، وبرًّا لا يحتمل التأجيل.
“أنا مش بشرك بالله، لكن أوقات بيبقى صعب قوي، لما تبص حواليك ومحدش يرحم. شهر ورا شهر، تقول هنعمل إيه؟ هنروح فين؟”.
بين الألم والأمل
قصة إسلام حسين ليست مجرد حكاية شاب حمل أمه على كتفه. إنها قصة عن البرّ في زمن القسوة، وعن أمٍ أعطت كل ما تملك، وعن ابنٍ قرر أن يرد الجميل مهما كانت الظروف.
بين التنقل من شقة إلى أخرى، وبين صيدليات العلاج وأبواب المستشفيات، يقف إسلام في مواجهة الحياة وحده، لا يملك سوى الدعاء، ونداءً مفتوحًا لمن يملك القرار.
ورغم كل ما يحمله من وجع، لا يزال في صوته خيط أمل. أمل في استجابة، في باب يُفتح، في يدٍ تمتد بالعون، تعيد له ولو جزءًا من الاستقرار الذي فقده.