تشهد الأسواق المالية الأمريكية موجة نزوح غير مسبوقة لرؤوس الأموال، مع سحب مستثمرين أمريكيين نحو 75 مليار دولار من منتجات الأسهم المحلية خلال الأشهر الستة الماضية، بينها 52 مليار دولار منذ بداية عام 2026 فقط، في أسرع وتيرة خروج خلال أول شهرين من العام منذ ما لا يقل عن 2010، وفق بيانات مؤسسة تحليل البيانات الاقتصادية والابحاث LSEG/Lipper .
يأتي هذا التحول في وقت بدأت فيه جاذبية الأسهم الأمريكية تتراجع، مع انحسار الزخم الذي قادته شركات التكنولوجيا الكبرى خلال العامين الماضيين، مقابل أداء أقوى لأسواق خارجية في أوروبا وآسيا والأسواق الناشئة.
كانت استراتيجية «اشترِ أمريكا» قد هيمنت على توجهات المستثمرين منذ نهاية الأزمة المالية العالمية في 2009، مدفوعة بقوة الاقتصاد الأمريكي وهيمنة قطاع التكنولوجيا، فيما دفعت طفرة الذكاء الاصطناعي مؤشر S&P 500 إلى مستويات قياسية العام الماضي. وفق وكالة "بلومبرج" الإخبارية.
غير أن تصاعد المخاوف بشأن تقييمات شركات التكنولوجيا الكبرى وتكاليف الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، إضافة إلى اعتبارات تتعلق بالسياسات التجارية الأمريكية، دفع المستثمرين إلى إعادة تقييم مراكزهم والبحث عن فرص ذات تقييمات أكثر جاذبية خارج الولايات المتحدة.
وأظهرت البيانات أن المستثمرين الأمريكيين ضخّوا نحو 26 مليار دولار في أسهم الأسواق الناشئة منذ بداية العام، مع تصدر كوريا الجنوبية قائمة الوجهات، تلتها البرازيل. كما استفادت أسواق متقدمة من هذا التحول، إذ ارتفع مؤشر نيكاي الياباني بنحو 43% خلال 12 شهرًا بالدولار، وصعد مؤشر STOXX 600 الأوروبي 26%، فيما حقق مؤشر CSI 300 الصيني مكاسب بلغت 23%، مقارنة بارتفاع يقارب 14% فقط لمؤشر S&P 500 خلال الفترة نفسها.
ويرى محللون أن الفجوة في التقييمات تمثل عاملًا رئيسيًا في هذا التحول، إذ يتداول مؤشر S&P 500 عند مضاعف ربحية يقارب 21.8 مرة، مقابل نحو 15 مرة للأسهم الأوروبية، و17 مرة في اليابان، و13.5 مرة في الصين، ما يعزز جاذبية الأسواق الخارجية من منظور القيمة.
وأظهرت بيانات التدفقات أن الاستثمارات الأمريكية في منتجات الأسهم الأوروبية تسارعت منذ منتصف 2025، في إشارة إلى ما وصفه بعض مديري الأصول بـ«دوران عالمي كبير» لرؤوس الأموال بعيدًا عن الولايات المتحدة.
ورغم تراجع الدولار بنحو 10% أمام سلة من العملات منذ يناير الماضي، ما يزيد تكلفة الاستثمار الخارجي على الأمريكيين، فإن تحسن العوائد في الأسواق الدولية يعزز الاتجاه نحو تنويع المحافظ الاستثمارية خارج وول ستريت، في ظل بيئة عالمية تتسم بإعادة تموضع استراتيجي لرؤوس الأموال.