قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

تحذير أوروبي من فوضى مخيمات سوريا.. هروب من “الهول” ومخاوف من تحول “روج” إلى بؤرة تهديد جديدة

صورة أرشيفية
صورة أرشيفية

في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، عادت مخيمات شمال شرق سوريا إلى واجهة المشهد الأمني الدولي، بعد مذكرة داخلية صادرة عن مؤسسات الاتحاد الأوروبي دقت ناقوس الخطر بشأن هروب آلاف الأشخاص من مخيم الهول، الذي كان يضم أقارب مقاتلين مشتبه بانتمائهم لتنظيم “داعش”.
المذكرة، التي أُرسلت في 23 فبراير الجاري إلى الدول الأعضاء، لم تكن مجرد تقرير روتيني، بل وثيقة تعكس مخاوف حقيقية من احتمال استغلال الجماعات المتطرفة للفوضى الأمنية من أجل إعادة تدوير مشروعها عبر تجنيد الفارين، خصوصاً النساء والأطفال.

وبينما أُغلق ملف “الهول” شكلياً بعد سيطرة القوات الحكومية السورية عليه، يبرز مخيم “روج” اليوم بوصفه العقدة التالية في معادلة معقدة تتداخل فيها الاعتبارات الأمنية والإنسانية والسياسية.

مذكرة أوروبية تحذر.. “الهدف الأولي لم يتحقق”

بحسب ما كشفته وكالة رويترز، فإن المذكرة التي اطلعت عليها تضمنت تحذيراً صريحاً من أن وضع رعايا عدة دول فروا من مخيم الهول لا يزال غير واضح، مع الإبلاغ عن هروب أعداد كبيرة منهم.

وجاء في نصها أن التطورات الأخيرة “تثير مخاوف بشأن كيفية استغلال الجماعات الإرهابية للوضع الحالي لزيادة جهود التجنيد بين الفارين”.
القلق الأوروبي يتضاعف مع الإشارة إلى أن الخطة الأولية لإدارة ملف المحتجزين لم تتحقق، في ظل التحولات العسكرية السريعة على الأرض.

مخيم الهول.. من قبضة “قسد” إلى سيطرة دمشق

كان مخيم الهول، القريب من الحدود العراقية، أحد أبرز مراكز احتجاز أقارب مقاتلي تنظيم “داعش” الذين أُلقي القبض عليهم خلال الحملة التي دعمتها الولايات المتحدة ضد التنظيم في سوريا.

حتى يناير 2026، تولت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) حراسة المخيم لسنوات، قبل أن تخرج من المنطقة إثر دخول القوات الحكومية السورية وسيطرتها عليها.

ووفق بيانات رسمية من المخيم، بلغ عدد المقيمين فيه قبل انتقال السيطرة 23,407 أشخاص، بينهم 6,280 أجنبياً من أكثر من 40 جنسية، ما يجعله أحد أكثر الملفات تعقيداً في الصراع السوري.

في المقابل، أعلن الجيش الأمريكي في 13 فبراير إكمال مهمة نقل 5,700 مقاتل بالغ من “داعش” من سجون سوريا إلى العراق، بعدما كان قد أشار سابقاً إلى إمكانية نقل ما يصل إلى 7,000 سجين.
غير أن المذكرة الأوروبية أوضحت أن “الهدف الأولي لم يتحقق”، في إشارة إلى استمرار وجود فجوات أمنية.

“سيطرة فوضوية” وانهيار الخدمات

في قسم حمل عنوان “المخاوف الأمنية الناجمة عن الوضع المتطور في شمال شرق سوريا”، وصفت المذكرة الانتقال بأنه “سيطرة فوضوية تسببت بانهيار الأمن والخدمات في مخيم الهول”، ما أدى إلى نزوح جماعي غير منضبط خلال الأسابيع الأخيرة.

دمشق اتهمت “قسد” بالانسحاب دون تنسيق، بينما أكدت الأخيرة أنها أُجبرت على التراجع بسبب تهديدات عسكرية في مناطق أخرى.

وبين تبادل الاتهامات، يبقى السؤال الأهم.. من يملأ الفراغ الأمني؟
مصدر أمني سوري تحدث عن تشكيل وحدة خاصة “لملاحقة المطلوبين” بالتعاون مع شركاء دوليين، لكن المذكرة الأوروبية شككت في قدرة دمشق على إدارة هذه المرافق، مشيرة إلى “تحديات تشغيلية كبيرة”.

مخيم روج.. الوجه الآخر للأزمة

مع إغلاق الهول ونقل قاطنيه الأجانب، عاد مخيم “روج” إلى الواجهة بوصفه ثاني أخطر المخيمات في سوريا.
يقع المخيم أقصى شمال شرق البلاد، قرب المثلث الحدودي بين سوريا وتركيا والعراق، وما يزال حتى الآن تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية.

يضم المخيم نحو 25 ألف شخص بينه وبين الهول، معظمهم من النساء والأطفال، وكثير منهم يحملون جنسيات أوروبية وآسيوية مختلفة.
وتشير المذكرة الأوروبية إلى “أسباب للقلق بشأن احتمال هروب العائلات” في حال انتقال السيطرة عليه إلى الحكومة السورية.

حياة خلف الأسلاك.. نساء من عشرات الجنسيات

الدخول إلى مخيم روج يكشف مشهداً مركباً:
خيام متراصة، أسوار عالية، نقاط تفتيش مشددة، وعناصر مسلحة مزودة بأجهزة مراقبة حديثة.
داخل هذا الفضاء المغلق، تعيش نساء من جنسيات متعددة: بلجيكية، ألمانية، صربية، إيرانية، قرغيزية، وغيرهن.

بعض هؤلاء النساء تزوجن مقاتلين في صفوف “داعش”، وبعضهن لعبن أدواراً داخل ما كان يُعرف بـ“جهاز الحسبة”، الذراع النسائية الأمنية للتنظيم.
اليوم، يجدن أنفسهن في واقع مختلف.. أعمال يومية بسيطة، سوق شعبي متواضع، وغسيل يُنشر على أسلاك شائكة تحولت إلى حدود نفسية قبل أن تكون مادية.

الأطفال، وهم كثر، يعيشون خارج أي منظومة تعليمية حقيقية. لا مدارس منتظمة ولا برامج تأهيل كافية، ما يفاقم المخاوف من ضياع جيل كامل في فراغ قد تستغله أفكار متطرفة مجدداً.

شميمة بيغوم.. اسم يعود إلى العناوين

من بين الأسماء التي أعادت المخيم إلى صدارة الاهتمام الإعلامي، تبرز قضية شميمة بيغوم، التي غادرت لندن عام 2015 وهي في الخامسة عشرة من عمرها للالتحاق بالتنظيم في سوريا.

تعيش بيغوم في مخيم روج منذ 2019، بعد أن فقدت أطفالها الثلاثة الذين توفوا رُضعاً.
قضيتها تحولت إلى ملف سياسي وقانوني شائك في بريطانيا، وأصبحت رمزاً للجدل الأوروبي حول إعادة رعايا التنظيم ومحاكمتهم.

في الوقت نفسه، أُفرج مؤخراً عن 34 مواطناً أسترالياً من المخيم، قبل أن تتعثر ترتيبات إعادتهم، فيما استبعدت الحكومة الأسترالية مساعدة عائلات مقاتلي التنظيم على العودة.

بين الأمن والإنسانية.. معادلة صعبة

المذكرة الأوروبية لم تكتفِ بالتحذير من المخاطر الأمنية، بل أشارت إلى الظروف الإنسانية “المهينة” التي يعيش فيها السكان، ما يضع المجتمع الدولي أمام معادلة شائكة.. كيف يمكن منع عودة التطرف، وفي الوقت ذاته تجنب ترك آلاف النساء والأطفال في بيئة قد تعزز مشاعر التهميش والغضب؟

في ظل غياب حلول دولية متفق عليها لإعادة أو محاكمة الرعايا الأجانب، يبدو أن مخيم روج مرشح ليصبح اختباراً جديداً لقدرة الأطراف المعنية على إدارة ملف معقد يتجاوز حدود سوريا.