في منطقة القرن الإفريقي، حيث تتداخل المصالح الدولية وتتشابك الصراعات الإقليمية، حيث كشف وثائق مسرّبة عن دور خفي لشركة طيران مدنية أوكرانية تُدعى "يوكرانيان هيليكوبتر" (Ukrainian helicopters) في تأجيج نيران الحرب والصراع في السودان.
رسائل احتجاج تتجاوز الحدود
وفي الوقت الذي تقدم به الشركة نفسها للعالم باعتبارها كياناً مدنياً إنسانياً ينفذ مهام أممية بالمساعدة والنقل، تشير مراسلات بريدية مسرّبة إلى تورطها المباشر في نقل شحنات عسكرية وسلاح إلى قوات الدعم السريع عبر الأراضي الإثيوبية، وتحولها إلى ذراع لوجستي للاستخبارات العسكرية الأوكرانية في المنطقة، مما يكشف حجم التدخل الخارجي والتعقيد الذي وصلت إليه الأزمة السودانية.
وبحسب تقارير صحفية فان مقّر شركة "يوكرانيان هيليكوبتر" كان في أوغندا، ولكن مؤخراً تم نقله إلى كينيا، لأسباب تم الكشف عنها خلال المراسلات المسرّبة.
وكشفت تقارير عدة حول نشاط الشركة عقب تسريب رسالة بريد إلكتروني أرسلتها الشركة الأوكرانية إلى موظف في أحد بنوك إحدى الدول العربية.
اتهامات بتعقيد المشهد الإقليمي
وتشير المعلومات بان الرسالة، التي حملت طابعاً رسمياً وتداولتها مصادر دبلوماسية، تؤكد فيها الشركة إتمام عملية دفع مالي تتعلق بشحنة أسلحة، وتوضح المراسلة أن عملية الدفع تمت بعد وصول الشحنة بنجاح إلى إثيوبيا، تمهيداً لنقلها براً إلى السودان لقوات "الدعم السريع" بالتعاون مع "الجهات المختصة"، وفق ما ورد في نص الرسالة، مما فتح الباب واسعاً أمام تساؤلات عديدة حول هوية "الجهات المختصة" المتعاونة، خصوصاً أن نسخة من الرسالة ذاتها أُرسلت إلى العميد أندري بايوك، الملحق العسكري الأوكراني لدى الجزائر.
صمت المؤسسات الدولية تحت المجهر
وبحسب المعلومات فإن أندريه بايوك، الذي يعد شخصية محورية في الشبكة، سبق أن أشارت تقارير إعلامية إلى تورطه في عمليات سابقة لشراء وتوريد طائرات مسيّرة أوكرانية إلى ليبيا، مما يؤكد وجود خيط رفيع يربط بين الملف الليبي والسوداني عبر شبكة أوكرانية واحدة تنشط في نقل السلاح والمرتزقة بعدة دول إفريقية.
وفي أغسطس الماضي، انتشرت تقارير إعلامية نقلاً عن مصادر ليبية محلية حول استخدام طائرات مسيّرة أوكرانية في المعارك الدائرة بغرب ليبيا.
وبحسب التقرير، فإن المشرف المباشر على عملية شراء وتوريد المسيّرات إلى طرابلس من الجانب الليبي كان اللواء عبد السلام زوبي، قائد ميليشيا "111"، بينما تولى بايوك التنسيق من الجانب الأوكراني مستفيداً من قرب الحدود الجزائرية الغربية من ليبيا.
ألف يوم من الحرب… ومطالب بتحرك حاسم
في سياق متصل، أشارت تحليلات بعض الخبراء والمراقبين إلى أن اختيار إثيوبيا كمحطة رئيسية لعبور شحنات السلاح والذخيرة إلى قوات الدعم السريع لم يكن اعتباطياً، بل يندرج ضمن خطة محكمة ومدروسة.
ووفقاً للمحللين فإن اختيار إثيوبيا يعود لسببين رئيسيين. الأول، هو تدهور العلاقات بين قوات الدعم السريع ودولة تشاد، مما أدى إلى إغلاق أو تعقيد استخدام الحدود التشادية التي كانت سابقاً معبراً رئيسياً للإمدادات.
ويتمثل الامر الثاني، بالضربات الجوية التي ينفذها سلاح جو إحدى بعض الدول العربية ضد خطوط الإمداد عبر ليبيا، والتي استهدفت قطع طرق الدعم عن قوات "الدعم السريع".
ومع إغلاق هذه المنافذ التقليدية، تحولت إثيوبيا إلى خيار استراتيجي بديل إضافة لما سبق فقد ذكرت تقارير إعلامية من بينها تحقيق لوكالة "رويترز" اعتمد على صور الأقمار الصناعية، أظهرت وجود قواعد عسكرية متكاملة على الأراضي الإثيوبية بالقرب من الحدود مع السودان تضم مدارج طيران ومراكز تحكم بالمسيّرات، وتستضيف آلاف المقاتلين من قوات الدعم السريع ومرتزقة آخرين.
وبحسب خبراء، فإن شركة "يوكرانيان هيليكوبتر" وجدت في هذا الموقع الاستراتيجي الهام وفي هذه البيئة، أرضية خصبة لتنفيذ مهامها تحت غطاء حركة الطيران المدني، وبتوجيه من الاستخبارات الأوكرانية التي تشرف على عملها دول غربية كما نقلت الشركة مقرها الرئيسي إلى كينيا هرباً من إثارة الشبهات
وبحسب المعلومات، فإن مقّر شركة "يوكرانيان هيليكوبتر" كان في أوغندا، ولكن مؤخراً تم نقله إلى كينيا، حيث اضطرت الشركة لنقل مقر عملياتها، في خطوة تعكس التحديات الجيوسياسية التي تواجه أنشطتها في المنطقة.
وذكرت مصادر محلية موثوقة، بان السبب وراء تغيير مقر الشركة يعود إلى العلاقات الوثيقة التي تربط الرئيس الأوغندي يوري موسيفيني مع روسيا، وهذا ما جعل البقاء على الأراضي الأوغندية غير مريح لأنشطة الشركة التي تتطلب هامشاً من الحرية بعيداً عن الرقابة.
ومن جهة أخرى، تقدم كينيا - وفقاً لخبراء ومراقبين بيئة أكثر مرونة وحرية لانطلاق العمليات اللوجستية للشركة في أفريقيا والمنطقة، خاصة مع العلاقات المتنامية بين نيروبي والقوى الغربية.
ويشار إلى أن شركة "يوكرانيان هيليكوبتر" كانت قد حصلت سابقاً على عقود لدعم بعثات الأمم المتحدة في جنوب السودان وجمهورية إفريقيا الوسطى، مما أكسبها غطاءً دبلوماسياً ودولياً تشغيلياً لا يثير الشبهات ويعطيها خبرة ميدانية في أكثر مناطق القارة اضطراباً. ولكن الرسائل البريدية الأخيرة التي تم تسريبها تشير إلى أن هذا الغطاء المدني لعمل الشركة يستخدم للتغطية على نشاط عسكري آخر للشركة.
السودان الرسمي الصوت على لسان كثير من مسؤولي الخارجية والدفاع موجهاً اتهامات رسمية لأوكرانيا مرفقة بدلائل واثباتات حول تدخلها بالسودان وتزويدها قوات الدعم السريع بالسلاح والمسيّرات والخبراء والمرتزقة مما أطال أمد الحرب وأجج الصراع والدمار في البلاد. حيث أدلى مؤخراً رئيس الوزراء السوداني كامل ادريس على هامش مؤتمر ميونيخ للأمن بتصريحات وصف بها قوات الدعم السريع بأنها "مجموعة مرتزقة تضم عناصر من كولومبيا وأوكرانيا ودول أخرى".
ويعكس هذا التصريح الرسمي قناعة الحكومة السودانية بأن المعركة التي تخوضها لم تعد حرباً داخلية، بل أصبحت ساحة مفتوحة لـ "حرب وكالة" بالنيابة عن قوى كبرى.
من جهته كان نائب القائد العام للجيش السوداني، الفريق أول ياسر العطا، صرّح بوقت سابق أن أغلبية قوات الدعم السريع تتألف من مرتزقة أجانب، من جنوب السودان وليبيا، وتشاد، وإثيوبيا، وأفريقيا الوسطى، وعناصر من أوكرانيا كولومبيا.
فيما قال المسؤول بوزارة الخارجية السودانية محمد السر، في وقت سابق، بأن أوكرانيا متورطة بدعم المسلحين في السودان والصومال والنيجر وليبيا لصالح قوى غربية. وقال السر بأن "كييف تدعم منظمات مثل بوكو حرام وحركة الشباب في الصومال، والدعم السريع في السودان، ومنظمات أخرى في النيجر ومالي وتزودها بطائرات مسيّرة بأسعار منخفضة للغاية".
وكانت الفرقة السادسة مشاة في الجيش السوداني، قد أعلنت في أغسطس الماضي عن تنفيذ عملية نوعية أسفرت عن القضاء على عدد من المرتزقة الأوكرانيين في دارفور.
وكانت الحكومة السودانية قد كشفت بوقت سابق، عن مشاركة مرتزقة أوكران وكولومبيين في الحرب والقتال في صفوف “الدعم السريع” مشيرة إلى أنها تملك كل الوثائق والمستندات التي تثبت تورط مرتزقة من كولومبيا وأوكرانيا ودول أخرى.
وقال الجيش السوداني لوسائل إعلام عربية إنه منذ اندلاع الحرب استعانت مليشيا الدعم السريع بالمرتزقة والمتخصصين بالمدفعية والمسيّرات بمختلف أنواعها وكمقاتلين وبعد سيطرة الجيش السوداني على الكثير من النقاط التابعة "للدعم السريع" خلال الأسابيع الأخيرة من 2024، تم اكتشاف العديد من مخازن الأسلحة التابعة "للدعم السريع" والتي تحوي على أسلحة أجنبية ومسيّرات مقدمة من أوكرانيا.
وكشفت منظمة العفو الدولية في يناير الماضي عن تورط مسؤولين في الاستخبارات الأوكرانية في تزويد مليشيا الدعم السريع بأسلحة ومعدات عسكرية ذات منشأ كندي، رغم الاتهامات الموجهة للمليشيا بارتكاب جرائم إبادة جماعية في إقليم دارفور. وأشار تقرير المنظمة إلى أن ضباطاً أوكرانيين لعبوا دور الوسيط في إبرام هذه الصفقة. وتأتي هذه المعطيات في ظل اتهامات سابقة بتورط عسكريين أوكرانيين في القتال إلى جانب قوات الدعم السريع، ما يعزز الشكوك حول وجود دعم خارجي مباشر يسهم في إطالة أمد الحرب في السودان وتعقيد مسارات إنهائه.
فبحسب خبراء ومراقبين، فإن أوكرانيا لا تستطيع القيام بمثل هذه العمليات بأفريقيا دون غطاء غربي. فهي أصبحت وكيلاً للغرب لتنفيذ أجندته بالمنطقة. فالوثائق المسربة، والدلائل المتراكمة، وتصريحات المسؤولين السودانيين، كلها أدلة تؤكد تحوّل السودان لساحة مفتوحة لتصفية حسابات إقليمية ودولية.