حذرت كريستالينا غورغييفا، مديرة صندوق النقد الدولي، من أن الحرب في الشرق الأوسط ستضع الاقتصاد العالمي أمام اختبار شديد للمرونة، مشيرة إلى أن "صدمات جديدة بأشكال وأحجام مختلفة" ستستمر في الظهور على المستويات الاقتصادية والسياسية.
وأكدت غورغييفا في حديثها خلال مؤتمر آسيا 2050 في بانكوك، أن الأزمة الحالية تتطلب استعدادًا دائمًا للتعامل مع عدم اليقين العالمي، موضحة: "في معظم الأوقات، لا يمكننا التنبؤ بما ستكون عليه الصدمات بالضبط، لكن يمكننا السعي لنكون مستعدين لها في كل الأوقات".

تأثير الحرب على أسواق الطاقة والنمو
وأوضحت غورغييفا أن الرد الإيراني على الضربات الأمريكية والإسرائيلية أدى إلى تعطيل حركة المرور وتدفق النفط عبر مضيق هرمز، ما تسبب في اضطرابات عالمية في أسعار الطاقة.
وأشارت إلى أن تحليلات بلومبرغ إيكونوميكس تشير إلى أن ارتفاع تكلفة الطاقة قد يزيد من معدلات التضخم ويضعف النمو الاقتصادي العالمي، مؤثرة بذلك على الأسواق الناشئة والمتقدمة على حد سواء.
ولفتت إلى أن حرب إيران رفعت تكلفة شحن النفط الأميركي إلى آسيا لأعلى مستوياتها، مضيفة أن هذا التوتر الجيوسياسي يعزز المخاطر الاقتصادية في منطقة الخليج وما وراءها.
المخاطر على السياسات الاقتصادية العالمية
وحذرت غورغييفا من أن استمرار الأزمة قد يزيد من أعباء صانعي السياسات الاقتصادية، مؤكدة أن ارتفاع أسعار الطاقة، والتقلبات في معنويات السوق، والاضطرابات التجارية ستضع ضغوطًا إضافية على الحكومات والمستثمرين. كما نبهت إلى أن أي تحرك غير مدروس قد يؤدي إلى تعطيل الأسواق، مشيرة إلى أن الصراع الحالي في الشرق الأوسط جاء ليذكر العالم بأن "العالم يشهد صدمات أكثر تواترًا وغير متوقعة"، وهو ما يتطلب استراتيجيات استباقية.
متابعة صندوق النقد وتوقعات النمو العالمي
وأكدت غورغييفا أن صندوق النقد الدولي يراقب الأزمة عن كثب، وأنه سيتم دمج نتائجها في تقرير "آفاق الاقتصاد العالمي" المقرر صدوره في أبريل المقبل. وأضافت أن الصندوق قام في يناير الماضي بمراجعة توقعاته للنمو العالمي، موضحة أنه يتوقع أن يصل النمو إلى 3.3% لعام 2026، و3.2% للعام 2027، لكنه شددت على أن استمرار الصراعات الجيوسياسية قد يقوض هذه التوقعات.
كما أثنت غورغييفا على جهود الاقتصادات الآسيوية في إعادة بناء المؤسسات والاحتياطيات الخارجية بعد الأزمة المالية في أواخر التسعينيات، داعية الدول الآسيوية لتعزيز التكامل الداخلي وخفض الحواجز غير الجمركية كوسيلة لحماية نفسها من التقلبات الاقتصادية العالمية.
أثر الحرب على الأسواق المالية
أشارت غورغييفا إلى أن الحرب في الشرق الأوسط أثرت بالفعل على الأسواق المالية، خاصة أسواق التكنولوجيا في كوريا الجنوبية وتايوان، حيث شهدت بيع المستثمرين الأجانب لمليارات الدولارات من الأسهم. وحذرت من أن طول الأزمة وزيادة المخاطر الجيوسياسية قد يؤدي إلى ضغوط على النمو العالمي والتضخم، قائلة: "كلما رأينا نهاية الكارثة في وقت أقرب، كان ذلك أفضل للعالم بأسره".
وأضافت غورغييفا أن التركيز يجب أن يكون على ما يمكن لكل دولة فعله لتعزيز اقتصادها المحلي، وتحسين الاستعداد لمواجهة الصدمات المتكررة، سواء في مجال الطاقة، أو التجارة، أو التكنولوجيا، أو التوترات الجيوسياسية. وشددت على أهمية العمل الاستباقي لتقليل التأثيرات السلبية على النمو الاقتصادي وحماية الاستقرار المالي في ظل عالم يزداد تعقيدًا.
ومن جانبه، أكد الدكتور طارق فهمي أن المشهد الحالي للصراع بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة لا يمكن وضع سيناريو محدد له في الوقت الراهن، مشيرًا إلى أن المواجهة العسكرية لا تزال في أيامها الأولى، وأنه من المبكر التنبؤ بما ستؤول إليه الأمور خلال الأسابيع المقبلة، خاصة مع التباين في تصريحات الرئيس الأمريكي وتعنت إيران وغياب المعلومات الدقيقة عن داخل طهران.
وأشار فهمي إلى حالة الضبابية حول الجهات المسؤولة عن إدارة الملف الإيراني، بما في ذلك احتمالات طرح رضا بهلوي أو المعارضة في الخارج، لكنه وصف هذه المقترحات بأنها تحتاج إلى تقييم دقيق، مؤكدًا أن العمل العسكري يسبق العمل السياسي في هذه المرحلة، وأن أي وساطة محتملة تواجه صعوبات مع الموقف الروسي غير الإيجابي.
وأضاف أن أطراف النزاع تحسب خطواتها وفق القوة الشاملة المتاحة لكل طرف، مع الحرص على استخدام القوة بشكل منضبط لتجنب التصعيد النووي، مشددًا على أن القنابل اللازمة لضرب المنشآت النووية الإيرانية لا تتوافر إلا لدى الولايات المتحدة. واختتم بالتأكيد على غموض الحرب وغياب الأرقام الرسمية، موضحًا أن المشاهد الإعلامية تحاول بناء صورة محسوبة للمرحلة المقبلة.