في واحدة من أغرب التجارب البيولوجية في تاريخ أبحاث الفضاء، كشفت تجربة علمية أجرتها ناسا خلال تسعينات القرن الماضي عن نتائج مدهشة بعد إرسال آلاف قناديل البحر إلى المدار لدراسة تأثير بيئة الجاذبية الصغرى على الكائنات الحية.
فقد انطلقت القناديل إلى الفضاء بعدد محدود، لكنها عادت إلى الأرض بعشرات الآلاف نتيجة تكاثرها في المدار، مع ظهور بعض الاضطرابات الفسيولوجية مقارنة بنظيراتها التي بقيت على كوكب الأرض.
تجربة علمية على متن مختبر فضائي
أُجريت التجربة داخل مختبر الفضاء Spacelab التابع لوكالة الفضاء الأوروبية وذلك ضمن برنامج بحثي يهدف إلى فهم كيفية تكيف الكائنات الحية مع ظروف انعدام الجاذبية.
وسعى العلماء من خلال هذه التجربة إلى دراسة تأثير بيئة الفضاء على تطور الأجهزة الحسية والعصبية لدى الكائنات الحية، وهو أمر بالغ الأهمية لفهم قدرة الحياة على التكيف خارج الأرض.
البداية من مركز كينيدي للفضاء
انطلقت التجربة من مركز كينيدي للفضاء، حيث جرى إرسال 2478 بوليباً صحياً وهي مرحلة مبكرة من دورة حياة قنديل البحر من نوع Aurelia aurita المعروف باسم قنديل البحر القمري.
وقبل الإطلاق، قام الباحثون بتقسيم القناديل إلى مجموعات تجريبية، ثم وُضعت داخل حاضنة مزودة بنظام تحكم دقيق في درجة الحرارة على متن المختبر الفضائي.
وفي الوقت نفسه، احتفظ بمجموعة مماثلة على الأرض تحت الظروف البيئية نفسها من حيث الإضاءة والحرارة، باستثناء عامل الجاذبية، وذلك لضمان مقارنة علمية دقيقة بين المجموعتين.
وخلال المهمة الفضائية التي استمرت تسعة أيام فقط، تكاثرت القناديل بسرعة مذهلة ليصل عددها إلى نحو 60 ألف قنديل بحر قبل عودتها إلى الأرض.
لماذا اختار العلماء قناديل البحر؟
غالباً ما تعتمد التجارب الفضائية على حيوانات مثل الفئران أو الجرذان لدراسة تأثير الجاذبية الصغرى على جسم الإنسان، إذ تؤثر هذه البيئة في العديد من الأنظمة الحيوية مثل العظام والعضلات والقلب والجهاز المناعي.
لكن العلماء اختاروا قناديل البحر لسبب علمي مهم؛ إذ تمتلك هذه الكائنات أعضاء حسية خاصة تعرف باسم الستاتوليث، وهي بنى دقيقة تساعدها على استشعار الجاذبية وتحديد اتجاهها أثناء السباحة.
ويجعل هذا النظام الحسي قناديل البحر نموذجاً مثالياً لدراسة كيفية تطور آليات الإحساس بالجاذبية في بيئة تنعدم فيها الجاذبية تقريباً، ما يوفر للباحثين فرصة لفهم أفضل لعمل الأنظمة العصبية والحسية لدى الكائنات الحية في الفضاء.
نتائج أولية تبدو مطمئنة
أظهرت الفحوصات التي أُجريت باستخدام المجاهر الضوئية والإلكترونية أن القناديل التي نشأت في الفضاء بدت متشابهة إلى حد كبير مع تلك التي تطورت على الأرض من حيث الشكل العام.
كما لم تسجل الدراسات اختلافات كبيرة في عدد الأذرع أو في البنية الأساسية للجسم، ما يشير إلى أن عملية النمو البيولوجي الأساسية لم تتأثر بشكل ملحوظ بغياب الجاذبية.
اضطرابات في الحركة بعد العودة
لكن المفاجأة ظهرت بعد عودة القناديل إلى الأرض، حيث لاحظ العلماء اضطرابات واضحة في نبضات الحركة، وهي الحركات الإيقاعية التي تعتمد عليها القناديل للسباحة.
وأظهرت البيانات أن
18.3% من القناديل التي نشأت في الفضاء عانت اضطرابات في النبض مقابل 2.9% فقط من القناديل التي نشأت على الأرض.
ويرجح الباحثون أن السبب قد يكون تطوراً غير طبيعي في أعضاء استشعار الجاذبية أو خللاً في التنسيق بين الجهاز العصبي والعضلي المسؤول عن الحركة.
تأثيرات أخرى على التكاثر والعمر
كشفت نتائج التجربة أيضاً عن بعض التأثيرات الإضافية المرتبطة بالحياة في الفضاء، من أبرزها:
-انخفاض عدد الأجنة التي فقست خلال وجود القناديل في المدار.
-تراجع طفيف في متوسط عمر ذكور القناديل التي نشأت في الفضاء مقارنة بنظيراتها الأرضية.
ماذا تعني هذه النتائج للبشر؟
رغم أن هذه التغيرات لا تمثل خطراً مباشراً، فإنها تقدم مؤشرات علمية مهمة حول تأثير الجاذبية الصغرى على تطور الكائنات الحية.
ويرى العلماء أن مثل هذه الدراسات قد تساعد في الإجابة عن سؤال مهم لمستقبل الاستكشاف الفضائي ماذا قد يحدث إذا حدث الحمل أو تطور الأجنة في بيئة الفضاء؟
ومع تزايد خطط الرحلات الطويلة إلى القمر والمريخ، يصبح فهم هذه التأثيرات أكثر أهمية من أي وقت مضى.
واحدة من أغرب تجارب الفضاء
تبقى تجربة قناديل البحر في الفضاء من أكثر التجارب البيولوجية غرابة وإثارة في تاريخ أبحاث الفضاء فقد أثبتت أن كائنات بحرية بسيطة يمكنها العيش والتكاثر في المدار، لكنها قد تواجه صعوبات في إعادة التكيف مع جاذبية الأرض بعد العودة.
وهكذا فتحت هذه التجربة باباً جديداً لفهم العلاقة المعقدة بين الحياة والجاذبية، وهي علاقة قد تحدد مستقبل الإنسان خارج كوكبه.





