قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

د. عصام محمد عبد القادر يكتب: الاحتقان العاطفي

د. عصام محمد عبد القادر - أستاذ ورئيس قسم المناهج  _ جامعة الأزهر
د. عصام محمد عبد القادر - أستاذ ورئيس قسم المناهج _ جامعة الأزهر

أعتقد أن تقويم السلوك لا يبدأ بتهذيب الظواهر، بل برعاية تلك المضغة الكامنة في الصدور؛ فالعاطفة المحتقنة خلف حصون أو أسوار المثالية الزائفة، ليست إلا قيدًا يمنع الروح من السموّ، وحملاً يثقل كاهل الاستقامة، وفقه التربية الرشيدة يغرس في النفس ماهية الصدق مع الوجدان كونه مبعث القوة لا الضعف، ويؤكد أن مواراة الأحزان خلف جدار الصمت لا تبني صبرًا، بل تهدم الحيوية الإنسانية من الداخل؛ لذا، فإنَّ صحيح السلوك يقتضي منا أن نحول الغليان المكتوم داخل صدورنا إلى نهرٍ من الإدراك في إطاره القويم، حيث نُعلّم النفس كيف تتنفس بالبوح المنضبط، وتستجلب السكينة بالاعتراف المقنن، ليتسق السلوك مع الفطرة، متناغمًا مع قلبٍ سليم، لا يحمل في طياته سجوناً، بل فضاءاتٍ من النور.

قوامة السلوك لا يستوي على سوقه إلا بقلبٍ بريءٍ من الغلّ، بصيرٍ بخلجاته؛ فخديعة الكبت أو لغة الصمت المريب، التي نتخذها درعاً واقياً ليست في حقيقتها إلا حجاباً يحول بيننا وبين نور الفطرة؛ فحين نُربي أنفسنا أو من نُعول على ابتلاع الغضب، وخنق صرخات الاحتياج، تحت عباءة الصلابة؛ فنحن لا نصير أقوياء، بل نغرس في الخفاء نفوساً قلقةً، يتبدد وقارها وقواها عند أول بادرة اختبار؛ ومن ثم يقتضي رشد التربية أن نؤمن بأنَّ العاطفة التي لا تُهذب بالاعتراف والاحتواء لا تموت، بل تُدفن حيةً لتعود لاحقاً في صورة طِباعٍ حادة، أو زهدٍ بارد، يفصل الإنسان عن روح التفاعل مع الحياة؛ لذا، فإنَّ السبيل الأمثل للنجاة ليس في إنكار الألم، بل في تحويله إلى فقهٍ للذات ومطالبها التي جبلت عليها.

أرى أن السلوك القويم ليس انضباطاً آلياً للجوارح، بل هو ثمرةٌ لسكينة النفس وطهارة الخباء؛ فحين يبلغ الاحتقان الوجداني ذروته؛ نتيجة تجاهل خبايا الشعور، يغدو الجسد صامتًا، يحاول أن يترجم ضجيج الروح عبر آلامه المبرحة؛ حيث إن الصداع الذي لا يهدأ، أو الثقل الذي ينوء به الظهر، ليس إلا صرخةً فطرية تخبرنا بأننا حملنا من الأنا الزائفة ما لا ترتضيه أو تطيقه الفطرة، وأننا عجزنا عن استيعاب مقدور الله  تعالى بوعي الصابرين، فحبسنا الضيق في مضايق الأبدان، وهذه الأوجاع هي صافرة إنذار في سياق تربوي، تدعونا لإفراغ خزان النفس من رواسب الغفلة عن الذات، وتؤكد أنَّ الاستمرار في انتهاج الصمت يعد جنايةٌ على أمانة الجسد والروح معًا.
أصعب ما نواجه في الحياة غربة السريرة؛ حين يمسي المرء منفصلًا عن خلجات صدره، عاجزاً عن تسمية أوجاعه، فيحيا بظاهرٍ شاخص وباطنٍ غائب في كواليس الضيق، وهذا الضباب الوجداني يبني جدارًا من الجفوة بين الإنسان وجمال الوجود؛ فيغدو حضوره بجسده لا بروحه، وتتحول استجاباته من مرونة الحليم إلى اندفاع المحتقن؛ فيسكب شحنات مرارته القديمة في وجوه الأبرياء عند أدنى زلل، مفسدًا بذلك عهود الودّ، ومورثاً نفسه حسرة الذنب والوحدة؛ إذ ندرك أن السلوك القويم يقتضي منا يقظةً قلبية تُبدد هذا الضباب، وتُعلّم النفس أنَّ ضبط الانفعال ليس كبتًا، بل هو طهارةٌ للمقاصد؛ فمتى ما تصالح المرء مع ألمه وسمى مكنوناته بصدق، صفت روحه للناس، وغدت ردود أفعاله حكمةً تُبنى بها العلاقات، لا نارًا تُحرق بها القلوب.

استعادة توازن الروح، والتحرر من أثقال الوجد المحتقن، يستوجب الوقوف بين يدي الذات بمكاشفة صادقة؛ فهذا ليس ضعفًا ولا انهزامًا؛ لكنه فلسفة الشجاعة؛ فالذين يسمون الأوجاع بأسمائها؛ كي تواجه بنور البصيرة، ويسمحون للمشاعر أن تتدفّق في مساراتها المشروعة، بدمعة في خلوة سحر، أو بكلمات تبوح بها الأقلام؛ لتفرّغ سموم الكتمان، أو بمشورة ناصح أمين، هو في حقيقته تسييل لجمود القسوة، التي خلّفها تراكم الأيام؛ فمتى غسلت النفس أوجاعها بصدق المكاشفة، استعاد الوعي سلطانه المسلوب، وشرعت عملية الترميم الشاملة للفؤاد؛ ليخرج المرء للعالم بوجه طلق، ونفس راضية، محرّرة من قيود الماضي، تبني في الحاضر سلوكاً يفيض رفقًا وأناة.

تعالوا بنا نتفق على أن تقويم السلوك يبدأ بتزكية الباطن؛ فالاحتقان العاطفي سجنٌ يُشيَّد بلبنات التماسك الزائف؛ فإذا تحررت الروح من مخازن الوجع الصامتة بمكاشفةٍ شجاعة، استقامت الجوارح على جادة الحِلم، وغدا السلوك فيضًا من سكينة الفطرة، لا انفجارًا لمرارات الكتمان.. ودي ومحبتي لوطني وللجميع.