قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

سالي عاطف تكتب : كيف تُدفع أفريقيا إلى أزمة مزدوجة تهدد مستقبلها الاقتصادي

سالي عاطف
سالي عاطف

في قلب التحولات العالمية المتسارعة، لم تعد أزمة الديون في أفريقيا مجرد أرقام تتراكم في دفاتر الحكومات، بل تحولت إلى قيد اقتصادي ثقيل يضغط على كل قطاع إنتاجي، وفي مقدمتها قطاع الطاقة، الذي يُفترض أن يكون بوابة التنمية، فإذا به يصبح أحد ضحايا الاختناق المالي. وبينما تتشابك الأزمات العالمية من تضخم وارتفاع أسعار الفائدة واضطراب سلاسل الإمداد، تجد القارة نفسها في مواجهة معادلة معقدة: كيف تموّل الطاقة وهي غارقة في الديون، وكيف تسدد ديونها دون طاقة تدعم النمو؟


منذ أكثر من عقد، كانت أفريقيا تسير في مسار تنازلي للديون بفضل النمو وارتفاع أسعار السلع، لكن هذا المسار انقلب بعد عام 2013، لتبدأ موجة جديدة من التوسع في الاقتراض، مدفوعة بتراجع أسعار الموارد، ثم جاءت جائحة كورونا لتدفع الحكومات إلى إنفاق ضخم، قبل أن تضيف الأزمات العالمية اللاحقة مزيدًا من الضغوط. ونتيجة لذلك، تضاعف متوسط الدين العام تقريبًا ليقترب من 60% من الناتج المحلي الإجمالي في العديد من دول أفريقيا جنوب الصحراء  ، فيما ارتفع المتوسط من نحو 48.9% إلى 57.4% خلال خمس سنوات فقط  ، وهو ما يعكس تسارعًا خطيرًا في وتيرة التراكم.


لكن الأزمة لا تكمن فقط في حجم الدين، بل في كلفته، إذ أصبحت خدمة الدين تستنزف جزءًا متزايدًا من الموازنات، ما يقلص الإنفاق على الاستثمار والبنية التحتية، خاصة في قطاع الطاقة. وتشير التقديرات إلى أن عشرات الدول الأفريقية باتت إما في حالة تعثر أو على حافة أزمة ديون، حيث يواجه نحو 22 بلدًا مخاطر مرتفعة  ، وهو ما يضعف قدرتها على تمويل مشاريع حيوية مثل الكهرباء والطاقة المتجددة.


وفي هذا السياق، تظهر أزمة الطاقة ليس كسبب منفصل، بل كنتيجة مباشرة لاختلال التوازن المالي. فالدول المثقلة بالديون تجد نفسها عاجزة عن الاستثمار في إنتاج الطاقة أو تحديث شبكاتها، ما يؤدي إلى نقص الإمدادات وارتفاع التكلفة.

 وفي مثال واضح، تعاني جمهورية الكونغو من تزايد الضغوط المالية بالتوازي مع مشكلات في إمدادات الطاقة، حيث بلغ الدين العام نحو 97% من الناتج المحلي، في ظل عجز في الحساب الجاري وضعف الاستثمار  ، ما يعكس الترابط العميق بين الأزمتين.


ولا تقف الأزمة عند حدود نقص التمويل، بل تمتد إلى ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا، والذي ينعكس مباشرة على الاقتصادات الأفريقية المستوردة للوقود. فقد أدى اضطراب الأسواق العالمية مؤخرًا إلى ارتفاع أسعار النفط لأكثر من 100 دولار للبرميل  ، ما يضاعف أعباء الاستيراد ويزيد الضغط على العملات المحلية، وبالتالي يرفع تكلفة خدمة الديون المقومة بالدولار، لتدخل الدول في حلقة مفرغة من الاستدانة والتضخم.


وفي المقابل، حتى الدول المنتجة للطاقة لا تبدو في مأمن، إذ تعاني من تقلبات الأسعار وضعف التنويع الاقتصادي. ففي موزمبيق، التي تراهن على مشاريع الغاز الطبيعي، وصلت نسبة الدين إلى نحو 91% من الناتج المحلي، مع حاجة ملحة لإعادة الهيكلة ، ما يبرز مفارقة أن امتلاك الموارد لا يعني بالضرورة القدرة على تحقيق الاستقرار المالي.


الأخطر من ذلك أن عام 2026 يحمل تحديًا إضافيًا، حيث تواجه الدول الأفريقية استحقاقات ديون تتجاوز 90 مليار دولار، أي أكثر من ثلاثة أضعاف ما كانت عليه قبل عقد  ، وهو ما يهدد بحدوث موجة جديدة من الأزمات المالية، خاصة في ظل ارتفاع تكاليف الاقتراض عالميًا.


هذا التشابك بين الديون والطاقة يعكس أزمة هيكلية أعمق، تتعلق بنموذج التنمية نفسه في أفريقيا. فالقارة لا تعاني فقط من نقص التمويل، بل من اختلال في توجيهه، حيث يتم استهلاك جزء كبير من القروض في تغطية العجز بدلاً من الاستثمار الإنتاجي، بينما تظل قطاعات حيوية مثل الطاقة تعاني من فجوة تمويلية مزمنة. وفي الوقت ذاته، يؤدي الاعتماد المتزايد على الاقتراض المحلي إلى الضغط على البنوك وتقليص التمويل المتاح للقطاع الخاص، ما يضعف النمو ويزيد من صعوبة الخروج من الأزمة.


ورغم ذلك، لا تخلو الصورة من فرص كامنة. فارتفاع أسعار الطاقة قد يمنح بعض الدول المصدرة فرصة لتعزيز الإيرادات، كما أن التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة يفتح بابًا أمام أفريقيا للاستفادة من مواردها الشمسية والريحية الهائلة. غير أن اغتنام هذه الفرص يظل مرهونًا بقدرة الدول على كسر حلقة الديون، وإعادة توجيه التمويل نحو استثمارات إنتاجية مستدامة.


في النهاية، تبدو أفريقيا اليوم وكأنها تقف على مفترق طرق اقتصادي حاسم، حيث لم تعد أزمة الديون وأزمة الطاقة مسارين منفصلين، بل وجهين لأزمة واحدة تعكس اختلالات عميقة في بنية الاقتصاد. وإذا لم يتم التعامل معهما برؤية متكاملة، فإن القارة قد تجد نفسها أمام موجة جديدة من التعثر، تعيدها سنوات إلى الوراء، وتؤجل حلم التنمية الذي طال انتظاره.