قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

د. أمل منصور تكتب: ما لا يقال عن الاهتمام .. من التعارف إلى الزواج بين الشغف والمسؤولية

د. أمل منصور
د. أمل منصور

الاهتمام في العلاقات ليس تفصيلة إضافية يمكن الاستغناء عنها، ولا رفاهية تُمارس في البدايات ثم تُنسى، بل هو ذلك الخيط غير المرئي الذي يربط القلب بما يشعره أنه مرغوب، مُختار، ومُقدّر. هو اللغة التي لا تُقال، لكنها تُفهم بدقة، وتُترجم داخل النفس إلى طمأنينة أو قلق، إلى امتلاء أو فراغ. لذلك، لا تموت العلاقات فجأة، ولا يختفي الشغف بلا سبب، بل يتراجع الاهتمام أولًا… فيصمت القلب بعدها دون ضجيج.

في بداية أي علاقة، لا يحتاج الرجل إلى تذكير ليهتم، ولا تبحث المرأة عن دليل لتصدق. كل شيء يبدو واضحًا وبسيطًا. هو يبادر، يسأل، يطارد التفاصيل الصغيرة، يخلق من يومه وقتًا لها حتى لو لم يكن لديه وقت لنفسه. وهي تستقبل هذا الاهتمام وكأنها وجدت مكانها الذي كانت تبحث عنه دون أن تدري. لا تفكر كثيرًا، لا تحلل، فقط تشعر. تشعر أنها مرئية، مسموعة، وأن هناك من اختارها دون أن تضطر لأن تثبت شيئًا.

داخل الرجل في هذه المرحلة رغبة خفية في الفوز، في أن يكون مختلفًا، في أن يترك أثرًا لا يُنسى. هو لا يسمي ذلك سعيًا، بل يراه طبيعيًا، لكنه في الحقيقة يبذل جهدًا مضاعفًا ليُظهر أفضل نسخة منه. وداخل المرأة، يبدأ شيء أعمق في التكوّن… ليس حبًا فقط، بل ارتباط بفكرة أن هذا الاهتمام هو صورتها الحقيقية في عينه. هي لا تتعلق به وحده، بل تتعلق بكيفية شعورها معه.

هنا تبدأ أول فجوة غير مرئية. هو يرى ما يقدمه “بداية”، وهي تراه “مقياسًا”. هو يعتقد أن ما يفعله الآن لن يستمر بنفس الكثافة، وهي تعتقد أن ما تراه الآن هو الحد الأدنى الذي لا يجب أن ينخفض. كلاهما صادق، وكلاهما لا يقول الحقيقة كاملة.

ومع انتقال العلاقة إلى مرحلة أكثر جدية، يتغير الإيقاع دون أن يُعلن أحد ذلك. الرجل يبدأ في الالتفات إلى الواقع، إلى العمل، إلى المسؤوليات التي يراها الطريق الحقيقي لتأمين العلاقة. يشعر أنه يثبت حبه بطريقة مختلفة، أكثر نضجًا، أقل استعراضًا. بينما المرأة لا ترى هذا التحول بنفس الطريقة. هي لا تراقب حجم ما يفعله، بل تراقب كيف تشعر. وتبدأ في ملاحظة ما لم يعد يحدث… الرسائل التي قلت، السؤال الذي تأخر، اللهفة التي لم تعد بنفس الوضوح.

داخل الرجل صوت يقول: “أنا أفعل كل هذا من أجلنا، لماذا لا ترى؟”
وداخل المرأة سؤال لا يُقال: “لماذا لم أعد أشعر كما كنت؟”

وهنا، لا يكون الخلل في الحب، بل في ترجمته. الرجل يعبّر بالفعل، والمرأة تستقبل بالشعور، وبين الفعل والشعور مساحة يمكن أن تمتلئ بسوء الفهم.

يموت شغف المرأة… لا لأنها تغيرت، ولا لأنها أصبحت أقل حبًا، بل لأنها شعرت أنها لم تعد في الصدارة. ليس مطلوبًا منها أن تكون كل شيء، لكنها تحتاج أن تشعر أنها “الأهم” وسط كل شيء. أن وجودها ليس أمرًا مفروغًا منه، ولا عادة مستقرة لا تحتاج جهدًا للحفاظ عليها.

حين تلاحظ أن يومه يمتلئ بكل شيء إلا هي، أن شاشة هاتفه تأخذ من انتباهه أكثر مما تأخذ، أن الآخرين يحصلون على حضوره بسهولة بينما تحتاج هي إلى طلبه… هنا لا تعترض، لا تشتكي كثيرًا، بل يبدأ عقلها في إرسال إشارات هادئة بالانسحاب. تخف حماستها، يقل كلامها، تنسحب من مساحات كانت تملؤها، ليس عقابًا له، بل حماية لنفسها من شعور التهميش.

المرأة لا تحتاج الكثير بقدر ما تحتاج الإحساس. أن يختلس وقتًا من يومه ليطمئن عليها، أن يتذكرها دون سبب، أن يشعرها أنها ليست ضمن قائمة، بل في مقدمتها. هذه التفاصيل التي يراها الرجل صغيرة، هي التي تعيد ترتيب العالم داخلها. ترفع إحساسها بقيمتها، وتفتح داخلها رغبة أكبر في العطاء. هي لا تعطي لأنها مطالبة، بل لأنها مشبعة.

الست بطبيعتها إنسانة عاطفية، وكلما زادت أنوثتها زاد احتياجها العاطفي. والحرمان العاطفي للست ليس فقط حرمانًا غريزيًا، بل هو حرمان من الاهتمام، وبالتالي من الأمان، والاحتواء، والحنية، واهتمام الرجل بتفاصيلها اليومية. فالمرأة تبقى الأنثى… أجمل الكائنات على وجه الأرض، وأشرسهم أيضًا. لذلك كن حريصًا في التعامل معها؛ أعطها اهتمامك، ستجدها أطفّ إنسانة، أكثر قربًا واحتواءً. تجاهلها، سترى منها وجهًا آخر لم تكن تتخيله. فهي كالزجاج… إن انكسر جرحك، وإن حافظت عليه ظل لك أفضل ملمسًا، وأقرب إحساسًا، وأكثر دفئًا مما تتوقع.

أما الرجل، فعلى عكس ما يُشاع، ليس كائنًا لا يحتاج، بل هو أيضًا يحمل داخله احتياجًا عاطفيًا قد لا يُجيد التعبير عنه. الرجل بطبيعته قد يبدو عمليًا، صلبًا، أقل حديثًا عن مشاعره، لكن كلما زادت رجولته الحقيقية، زاد احتياجه للتقدير، والاحتواء بطريقته الخاصة. الحرمان العاطفي للرجل لا يظهر في شكوى، بل في صمت، في انسحاب تدريجي، في برود غير مفهوم. هو لا يطلب كثيرًا، لكنه يحتاج أن يشعر أنه مُقدَّر، أن مجهوده مرئي، أن وجوده له معنى. الرجل أيضًا قد يكون كالجدار الصلب من الخارج، لكنه يحمل داخله مناطق هشة لا تُرى. إن شعر بالاحتواء، أعطى بلا حدود، وإن شعر بالإهمال، قد يتحول إلى شخص أبعد مما تتخيل. فكما أن المرأة كالزجاج، الرجل كالسند… إن حافظت عليه، احتمى بك وأحاطك، وإن أُهمل، سقط بصمت دون ضجيج.

أما الرجل، ففي داخله معركة مختلفة. هو يريد أن يُحب ويُقدّر، لكنه لا يدرك دائمًا أن المبادرة جزء من هذا التقدير. أحيانًا ينتظر منها أن تبدأ، أن تسأل، أن تقترب، وكأنه يختبر رغبتها فيه. لا يفهم أن المرأة، بطبيعتها، تستجيب أكثر مما تبادر، وأن مبادرتها لا تأتي من فراغ، بل من أمان. الأمان الذي يصنعه هو في كل مرة يسبقها بخطوة، في كل مرة يشعرها أنها مرغوبة دون أن تطلب.

هو يقول في داخله: “أريد أن أشعر أنها تريدني”
وهي تقول دون صوت: “أريد أن أشعر أنني مرغوبة دون أن أطلب”

وبين الرغبتين، مساحة صمت قد تتسع دون أن ينتبه أحد.

ثم يأتي الزواج، لا كمرحلة جديدة فقط، بل كاختبار حقيقي لكل ما سبق. هنا، لا تعود المشاعر وحدها كافية، بل يصبح السلوك هو اللغة الأساسية. الرجل يرى نفسه أكثر التزامًا، أكثر تحملًا، يظن أن استقراره ومسؤوليته هما أكبر دليل على حبه. والمرأة، رغم تقديرها لذلك، لا تزال تبحث عن نفس الإحساس القديم… أن تكون أولوية، لا مجرد جزء من نظام مستقر.

هو يظن أنها تطلب الكثير، وهي تشعر أنها لم تعد تطلب شيئًا سوى أن تعود “كما كانت”.
هو يرى نفسه حاضرًا، وهي تشعر بغيابه.
هو يقدّم ما يراه مهمًا، وهي تفتقد ما يجعلها تشعر.

ولا أحد منهما يكذب، لكن كلاهما يعيش الحقيقة من زاويته.

الاهتمام هنا لا يختفي، بل يتحول. يصبح مؤجلًا، مؤطرًا بالظروف، مشروطًا بالوقت. ومع كل تأجيل، يتآكل شيء غير مرئي. المرأة التي كانت تتزين له بلا سبب، قد تتوقف. التي كانت تتحدث بلا ملل، قد تختصر. التي كانت تقترب، قد تنتظر. ليس لأنها لم تعد تحب، بل لأنها لم تعد تشعر بنفس القيمة.

والرجل، الذي كان يرى فيها الدفء، قد يشعر أنها تغيرت، دون أن يربط بين هذا التغير وما توقف هو عن فعله.

الاهتمام لا يحتاج معجزات، ولا وقتًا كبيرًا، بل يحتاج حضورًا صادقًا. أن تكون هناك حتى وأنت مشغول، أن تُشعرها أنها في بالك حتى وأنت بعيد، أن تذكّرها، دون مناسبة، أنها لا تزال تلك التي اخترتها، لا تلك التي اعتدت وجودها.

فالمرأة التي تشعر أنها في مقدمة الاهتمامات، لا تبحث عن بديل، ولا تدخل في مقارنات، ولا تفكر في الانسحاب. بل تعطي، وتتمسك، وتُعيد إليك ما تمنحه أضعافًا. والرجل الذي يفهم أن المبادرة ليست عبئًا بل قيمة، يصنع لنفسه مكانًا لا ينافسه فيه أحد.

في النهاية، لا يقوم الحب على المشاعر وحدها، بل على القدرة على الحفاظ عليها. والاهتمام ليس ما تفعله في البداية لتلفت قلبًا، بل ما تستمر في فعله لتبقيه حيًا.

لأن الشغف لا يموت فجأة…


بل يذبل بصمت، كلما شعر أحد الطرفين أنه لم يعد “الأهم”.