الحرب الدائرة حاليا فى لبنان تُعد واحدة من أخطر الأزمات التي يشهدها البلاد في تاريخه الحديث، إذ اندلعت في مطلع مارس 2026 على خلفية تصعيد عسكري واسع بين حزب الله وإسرائيل، ضمن سياق إقليمي متوتر يرتبط بالصراع مع إيران. وقد بدأت المواجهات بهجمات صاروخية وطائرات مسيّرة أطلقها حزب الله باتجاه الأراضي الإسرائيلية، قبل أن ترد إسرائيل بحملة عسكرية شاملة استهدفت مناطق واسعة داخل لبنان، ما أدى إلى انزلاق الوضع بسرعة نحو حرب مفتوحة.
ومنذ الأيام الأولى، اعتمدت إسرائيل على القصف الجوي المكثف كأداة رئيسية في عملياتها، حيث شنت غارات متواصلة على جنوب لبنان، إضافة إلى الضاحية الجنوبية للعاصمة بيروت، التي تُعد معقلًا رئيسيًا لحزب الله. ولم تقتصر الضربات على المواقع العسكرية، بل طالت بنى تحتية حيوية مثل الجسور والطرق، خاصة في مناطق حيوية كمنطقة نهر الليطاني، بهدف إعاقة تحركات الحزب وقطع خطوط الإمداد. ومع تصاعد العمليات، توسعت الضربات لتشمل أحياء سكنية، ما أدى إلى دمار واسع وسقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين.
في المقابل، واصل حزب الله عملياته العسكرية، معتمدًا على إطلاق الصواريخ بعيدة المدى والطائرات المسيّرة باتجاه العمق الإسرائيلي، في محاولة لخلق توازن ردع. كما اندلعت اشتباكات ميدانية مباشرة في المناطق الحدودية بعد توغل بري محدود نفذته القوات الإسرائيلية في جنوب لبنان، ما زاد من حدة المواجهة وحول بعض القرى الحدودية إلى ساحات قتال مفتوحة.
إنسانيًا، خلّفت الحرب تداعيات كارثية على السكان المدنيين. فقد سقط مئات القتلى وآلاف الجرحى، فيما اضطر مئات الآلاف إلى النزوح من منازلهم، خصوصًا من مناطق الجنوب التي تعرضت للقصف الأكثر كثافة. وتوجه النازحون إلى مناطق أكثر أمانًا في الشمال أو إلى العاصمة، ما تسبب في ضغط هائل على البنية التحتية والخدمات الأساسية، مثل المستشفيات والكهرباء وإمدادات الغذاء. كما عادت مشاهد النزوح الجماعي التي عرفها لبنان في حروب سابقة، في ظل ظروف اقتصادية صعبة يعاني منها البلد أصلًا.
على الصعيد الإقليمي، لا يمكن فصل ما يجري في لبنان عن التوتر الأوسع في المنطقة، خاصة العلاقة بين إسرائيل وإيران، حيث يُنظر إلى حزب الله باعتباره أحد أبرز حلفاء طهران. لذلك، فإن هذه الحرب تُعد ساحة مواجهة غير مباشرة بين الطرفين، ما يزيد من خطورتها ويجعل احتمالات توسعها قائمة في أي لحظة.
دوليًا، تصاعدت الدعوات لوقف إطلاق النار، وسط تحذيرات من انزلاق المنطقة إلى حرب شاملة. ومع ذلك، لم تنجح الجهود الدبلوماسية حتى الآن في تحقيق اختراق حقيقي، في ظل تمسك كل طرف بمواقفه العسكرية والسياسية.
في المحصلة، تعكس الحرب الحالية في لبنان مزيجًا معقدًا من العوامل المحلية والإقليمية، وقد أدت إلى دمار واسع وأزمة إنسانية متفاقمة، في وقت يعاني فيه البلد أصلًا من أزمات اقتصادية وسياسية عميقة. ويبدو أن مستقبل هذه الحرب، بل ومستقبل لبنان نفسه، سيظل مرهونًا بتطورات الصراع في المنطقة، وبقدرة الأطراف المعنية على التوصل إلى تسوية توقف هذا النزيف المستمر.