قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

أبو الهول ثانٍ في الجيزة | صاحب الدراسة المثيرة للجدل يفجر مفاجأة لـ صدى البلد: الدليل أسفل ذقن التمثال

الدكتور بسام الشماع
الدكتور بسام الشماع

في كل مرة تُطرح فيها أسئلة جديدة حول آثار الجيزة، تعود معها حالة من الجدل العلمي والإعلامي لا تهدأ. ومؤخرًا، أعادت صحيفة الديلي ميل البريطانية فتح واحد من أكثر الموضوعات إثارة للفضول في علم المصريات، بعدما نشرت تقريرًا تناول احتمال وجود أبو الهول ثانٍ في منطقة الجيزة، إلى جوار التمثال الحالي المعروف عالميًا. وفي قلب هذا الجدل، ظهر اسم المؤرخ والمحاضر الدولي في علم المصريات الدكتور بسام الشماع، باعتباره المصدر الأساسي الذي استند إليه التقرير، وصاحب النظرية التي طرحها منذ سنوات طويلة، قبل أن تعود الآن إلى دائرة النقاش من جديد.

ووصف الشماع، في تصريحات خاصة لموقع صدى البلد، أن القصة ليست مجرد فكرة عابرة أو فرضية وُلدت من فراغ، بل بحث ممتد بدأ منذ التسعينيات، وجرى توثيقه في كتب ودراسات ومراجع، وصولًا إلى إصدار كتابه “اكتشاف أبو الهول الثاني” باللغة الإنجليزية، ثم تحوله لاحقًا إلى نقطة استناد في نقاشات إعلامية وعلمية خارج مصر. وبينما يرى البعض أن الحديث عن “أبو الهول الثاني” ما يزال في نطاق النظرية، يؤكد الشماع أن ما حدث مع تقرير الديلي ميل يمثل لحظة مهمة، ليس فقط لأنه أعاد طرح الفكرة، بل لأنه بحسب قوله أعاد الاعتبار إلى مصدرها المصري.

من الديلي ميل إلى الجيزة.. كيف عاد السؤال من جديد؟

وبحسب ما أوضحه الدكتور بسام الشماع، فإن التقرير الذي نشرته "ديلي ميل يو كي" تناول فكرة وجود ما يشبه جسدًا كبيرًا مدفونًا تحت الرمال في منطقة الجيزة، استنادًا إلى صور وتحليلات ومواد بحثية مرتبطة بمشروعات استشعار عن بُعد وصور أقمار صناعية. التقرير لم يكتفِ بعرض الاحتمال، بل أشار في جزء منه إلى أن هذه الفرضية ترتبط بأبحاث الشماع نفسه، الذي قضى سنوات في تتبع الأدلة والقرائن التي دفعته إلى تبني نظرية “أبو الهول الثاني”.

ويقول الشماع إن ما أسعده ليس فقط عودة النظرية إلى الواجهة، بل كون الصحيفة البريطانية وفقًا لحديثه أشارت إلى صاحب الفكرة الأصلي، ولم تتعامل معها باعتبارها مجرد رواية مجهولة المصدر. فالمؤرخ المصري يؤكد أن جهده في هذا الملف ليس وليد اللحظة، وإنما امتد لأكثر من 25 إلى 27 عامًا من البحث، والتوثيق، والمراجعة، ومحاولة قراءة النصوص الأثرية والرموز القديمة قراءة مختلفة عما هو شائع.

“بسام ساكند سفنكس”.. نظرية قديمة تحمل توقيعًا مصريًا

ويشرح الشماع أن نظريته تحمل اسم “Bassem Second Sphinx”، وأنها موثقة باسمه منذ أواخر التسعينيات في دار الكتب والوثائق المصرية، أي قبل أن يتحول الموضوع إلى مادة صحفية دولية بسنوات طويلة. ويؤكد أن هذا التوثيق الرسمي جعل من النظرية جزءًا من سجله البحثي القديم، وليست مجرد اجتهاد لحظي.

ويشير الشماع إلى أن أحد أهم ما يهمه في هذه القصة ليس فقط أن العالم بدأ يلتفت إلى الفكرة، بل أن مصر للمرة الثانية، وربما الثالثة تظهر كصاحبة نظرية علمية لا مجرد موقع للاكتشافات الأثرية. فهو يرى أن المكانة المصرية في علم المصريات لا ينبغي أن تقتصر على الكشف والتنقيب، بل تمتد أيضًا إلى التنظير العلمي، أي إنتاج الفرضيات والرؤى التي تُبنى عليها الدراسات اللاحقة.

ويعتبر الشماع أن هذه النقطة تحديدًا هي الرسالة الأهم في الملف كله.. أن المصريين لا يقتصر دورهم على إخراج القطع الأثرية من باطن الأرض، بل قد يكونون أيضًا أصحاب القراءات الفكرية والبحثية التي تفتح أبوابًا جديدة لفهم التاريخ القديم.

لوحة الحلم.. المفتاح الأول في تفسير النظرية

واحدة من أبرز الأدلة التي يستند إليها الشماع هي لوحة الحلم الشهيرة، وهي لوحة جرانيتية تُعرف بأنها موجودة تحت ذقن أبي الهول، بين قدمي التمثال. ويؤكد أن هذه اللوحة تضم مشهدًا للملك تحتمس الرابع، ويظهر فيها وهو يقدم الطقوس الدينية لتمثال أبي الهول.

لكن وجه الاستدلال هنا، كما يشرح الشماع، لا يتعلق فقط بوجود أبو الهول في اللوحة، بل في طريقة تصويره. فهو يلفت إلى أن التمثال يظهر في أكثر من موضع على اللوحة، بما قد يدفع حسب تفسيره إلى احتمال أن التمثيل لم يكن بالضرورة لتمثال واحد فقط، بل ربما كان انعكاسًا لوجود أكثر من هيئة أو أكثر من كيان أثري.

في المقابل أكد الشماع، أن المشهد لا يعني وجود تمثالين، بل مجرد إعادة تمثيل بصري أو ما يشبه “المرآة” في الفن المصري القديم، حيث تُعرض الصورة ذاتها بطريقة مكررة لأغراض دينية أو رمزية أو فنية. وهو ما يشبه، في التشبيه الذي استخدمه، صورة شخص يلتقطها لنفسه في المرآة، فتبدو في ظاهرها وكأنها صورتان، بينما هي في الحقيقة صورة واحدة منعكسة.

ورغم هذا الرد، يرى الشماع أن القراءة الأخرى تظل مشروعة ما دام النص الأثري يحتمل أكثر من تفسير، وما دامت القرائن الأخرى لا تزال تثير الأسئلة.

الاسم المفقود لأبي الهول.. لغز لا يزال بلا حسم

ومن النقاط اللافتة التي أثارها الشماع أيضًا أن اسم أبي الهول عند نحته الأصلي ما يزال غير معروف حتى اليوم. فهو يلفت إلى أن الاسم المتداول في العصور اللاحقة لا يعطينا بالضرورة الاسم الأول الذي أُطلق على التمثال حين شُيّد، ما يعني أن جزءًا مهمًا من تاريخ أبي الهول ما يزال غامضًا حتى الآن.

وهذه الملاحظة، في رأيه، ليست تفصيلًا صغيرًا، بل هي من بين أكثر المفارقات إثارة في تاريخ الأثر كله؛ فالعالم يعرف حجم أبي الهول، ومكانه، وعلاقته بالجزة والملوك القدماء، لكنه لا يمتلك يقينًا كاملًا بشأن التسمية الأصلية التي حملها وقت إنشائه. ويعتبر الشماع أن هذا الغموض يفتح الباب أمام مزيد من التأمل في طبيعة التمثال ووظيفته ومكانته في العقيدة المصرية القديمة.

لوحة الإحصاء.. النص الذي غيّر اتجاه السؤال

أما الدليل الثاني، وربما الأكثر حساسية في نظرية الشماع، فهو لوحة الإحصاء أو اللوحة الحجرية المعروفة التي يبلغ قياسها نحو 70 × 42 سنتيمترًا، وكانت معروضة وفق حديثه في المتحف المصري بالتحرير قبل أن تُزال من مكان عرضها في السنوات الماضية.

ويؤكد الشماع أنه حاول التواصل مع مسؤولي وزارة الآثار للاستفسار عن مصير اللوحة ومكان وجودها الحالي، لكنه لم يتلقَّ ردًا واضحًا. ومن هنا يطرح سؤاله على الملأ: أين ذهبت اللوحة؟ وهل ما تزال موجودة فعلًا أم أنها نُقلت ضمن ترتيبات تخص المتحف الكبير؟ وهو سؤال يراه بالغ الأهمية، لأن اللوحة في نظره تحمل مفتاحًا تأويليًا شديد الحساسية.

فالنص الموجود على اللوحة، كما يذكر، يشير إلى أن خوفو “رمم” أبو الهول. وهذه الجملة بالتحديد هي التي يعتبرها الشماع نقطة التحول في فهم تاريخ التمثال. إذ إن القراءة الشائعة في علم المصريات تربط أبو الهول بالملك خفرع، بينما النص المنسوب إلى لوحة الإحصاء، بحسب تفسير الشماع، يذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، ويشير إلى أن أبو الهول كان موجودًا قبل خفرع، بل وأن خوفو قام بترميمه.

وهنا يكمن جوهر الجدل.. إذا كان خوفو أصلًا هو من رمم التمثال، فإن هذا يعني أن الأثر أقدم من عصره، مما يفتح الباب أمام إعادة النظر في التأريخ التقليدي لأبو الهول، بل وربما في الرواية الكاملة حول من أنشأه ومتى ولماذا.

ويستشهد الشماع في هذا السياق بترجمة العالم الكبير سليم حسن للوحة، مؤكدًا أن النص حين قُرئ بدقة بدا وكأنه “صاعقة” معرفية؛ لأنه لا يقول فقط إن خوفو مرّ بالموقع، بل يوحي بأنه تعامل مع أبي الهول كأثر قائم بالفعل يحتاج إلى إصلاح وصيانة.

“إذا كان خوفو رممه، فمن الذي بناه؟”

وهذه هي الجملة التي ترتكز عليها واحدة من أقوى لحظات الشماع في عرضه للنظرية. فهو يقول ببساطة.. إذا كان هناك نص أثري موثق يشير إلى أن خوفو ترمم أو أصلح أبو الهول، فذلك يعني بالضرورة أن التمثال كان موجودًا قبل عصر خوفو نفسه، وليس من صنعه كما هو الرأي السائد لدى غالبية العلماء.

ويشبّه الشماع الأمر بمن يقول اليوم: “ذهبت لإصلاح سيارة ابني”. فمجرد استخدام كلمة “ابني” يعني أن السيارة تخص شخصًا آخر، وأن من يتحدث لم يكن هو الذي صنعها، بل جاء إليها كمالك أو وارث أو راعٍ لاحق. وبالمنطق ذاته، يرى الشماع أن نص لوحة الإحصاء يحمل إشارة إلى أن خوفو لم يكن هو الباني، بل المرمم.

وهذا الاستنتاج، إن ثبت، يعيد رسم الخط الزمني لأبو الهول بالكامل. كما يدفع إلى سؤال أكبر.. هل ما نراه اليوم هو فعلًا التمثال الوحيد الذي عرفته المنطقة، أم أن هناك أثرًا آخر كان موجودًا بالفعل ثم اندثر أو اختفى جزء منه مع الزمن؟

الصورة الصفراء ورسالة ناسا

في جانب آخر من روايته، يعود الشماع إلى تجربة شخصية تعود إلى التسعينيات، حين وصلته كما يقول رسالة من الولايات المتحدة من إحدى السائحات اللاتي كنّ برفقته، تضمنت صورة ملوّنة التقطتها وكالة ناسا لمنطقة أبي الهول.

ويضيف أنه في تلك الفترة، ومع تطور البحث لديه، قام بإرسال صورة أخرى أو إشارة إلى ما يصفه بـ “البقعة الصفراء”، وهي منطقة تقع بمحاذاة أبي الهول الحالي وخلف معبد الوادي، ولاحظ أنها تبدو في صور الأقمار الصناعية كأنها شيء مدفون على عمق يتراوح بين 3 و4 أمتار تحت الرمال.

وبحسب ما يرويه، كتب إلى وكالة ناسا طالبًا تفسيرًا لما تعنيه هذه البقعة، فجاءه الرد بأنها قد تكون كتلة حجرية منحوتة بفعل الإنسان أو بفعل الطبيعة، لكن الوكالة بحسب قوله لم تستطع أن تحسم طبيعتها الأثرية، لأنها ليست جهة آثار بل جهة فلك وفضاء. ويؤكد الشماع أن هذا الرد لم يغلق الباب أمامه، بل جعله يتمسك أكثر باحتمال أن المنطقة تحتوي على بقايا أثرية غير مكتشفة بعد.

ومن هنا، بنى الشماع فكرة أن وجود هذه الكتلة الحجرية، في موضع موازٍ لأبي الهول الحالي، قد يكون دليلًا آخر على أن هناك أبو الهول ثانيًا أو على الأقل بقايا أثرية مرتبطة بنسخة سابقة من التمثال.

هل كان هناك “أبو الهول الثاني” فعلًا؟

في حديثه، لا يطرح الشماع النظرية باعتبارها حقيقة منتهية، بل باعتبارها فرضية مدعومة بقرائن تحتاج إلى مزيد من البحث والحفر والدراسة. وهو يدرك جيدًا أن كثيرًا من العلماء الكبار في علم المصريات يرفضون فكرة وجود تمثالين لأبي الهول، ويرون أن المشهد كله لا يخرج عن إطار التفسير الرمزي أو الفني أو الهندسي المعروف.

لكن الشماع، في المقابل، يعتقد أن النصوص الأثرية والصور والبيانات القديمة، إضافة إلى تقارير الاستشعار عن بعد، تسمح بقراءة مختلفة. ووفقًا لهذه القراءة، قد يكون ما نعرفه اليوم مجرد جزء من مشهد أوسع، طمسته الرمال، أو أخفته قرون طويلة من الإهمال، أو عبثت به عوامل الطبيعة والتاريخ.

كما يشير إلى أن جوهر الموضوع ليس في “إثبات” وجود أبو الهول الثاني من عدمه فقط، بل في فتح باب أوسع لفهم كيف يفكر المصري القديم في النحت والتمثيل والرمز والقداسة. فالأمر، في رؤيته، ليس مسألة حجر فقط، بل مسألة معنى، وسياق، وطبقات من التاريخ المتراكب فوق بعضها البعض.

بين الاعتراف والجدل العلمي

اللافت في القصة أن تقرير الديلي ميل، بحسب ما يفهم من حديث الشماع، لم يتعامل مع الفكرة باعتبارها مجرد مادة مثيرة للفضول، بل منحها مساحة من الجدية والربط بالمصدر المصري الأصلي. وهذا، في رأي الشماع، إنصاف معنوي مهم بعد سنوات من البحث الفردي، ورسالة مفادها أن النظريات العلمية المصرية يمكن أن تجد صداها خارج الحدود.

لكن هذا لا يعني بالطبع أن الجدل انتهى. فالمؤسسة العلمية الأثرية في مصر وخارجها لا تزال تحتاج إلى حفريات أو قراءات جديدة أو أدلة مادية أقوى من الصور والتأويلات لتقبل أو ترفض هذه الفرضية. ولهذا، يبقى “أبو الهول الثاني” حتى الآن موضوعًا قائمًا بين الاحتمال العلمي والجدل البحثي، لا بين الحسم النهائي واليقين الكامل.

حين تتحول الفكرة إلى سؤال عن مكانة مصر العلمية

قصة بسام الشماع مع “أبو الهول الثاني” ليست مجرد قصة عن تمثال مفقود أو بقايا محتملة تحت الرمال، بل هي أيضًا قصة عن رحلة عالم ومؤرخ مصري مع فكرة ظلّت سنوات طويلة تقاوم النسيان. واليوم، مع عودة هذه النظرية إلى الواجهة عبر صحيفة بريطانية كبيرة، يعود معها سؤال أوسع.. هل يُنظر إلى مصر فقط بوصفها بلد الاكتشافات الأثرية، أم بوصفها أيضًا بلد الأفكار والنظريات التي تغيّر طريقة قراءة التاريخ؟

في الختام، تبقى قيمة هذا الجدل في أنه يعيد فتح ملف من أكثر ملفات الجيزة غموضًا وإثارة. فحتى لو لم يُحسم أمر “أبو الهول الثاني” بعد، فإن مجرد استمرار السؤال، وعودة النقاش حول لوحة الحلم، ولوحة الإحصاء، وصور الأقمار الصناعية، والمصادر القديمة، يعني أن التاريخ المصري القديم ما يزال يحتفظ بكثير من الأسرار التي لم تُقل كلمتها الأخيرة بعد.

وما بين العلم والفرضية، وبين التفسير التقليدي والرؤية الجديدة، يظل أبو الهول، الأول أو الثاني، شاهدًا صامتًا على حضارة لا تكف عن إدهاش العالم.