في ظل مشهد إقليمي شديد التعقيد، تتصاعد فيه وتيرة الأزمات وتتداخل فيه حسابات القوى الدولية والإقليمية، تعود الوساطة المصرية لتفرض حضورها كأحد أبرز المسارات الدبلوماسية الساعية إلى احتواء التوترات ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهات أوسع.
فمع اتساع بؤر الصراع في أكثر من ساحة بالشرق الأوسط، وتزايد المخاوف من تداعيات قد تهدد استقرار المنطقة بأكملها، تبرز القاهرة كطرف فاعل يمتلك خبرة تاريخية وأدوات سياسية تتيح له التحرك بمرونة بين مختلف الأطراف.
وتأتي هذه التحركات في وقت تتسم فيه الأوضاع بحساسية بالغة، حيث تتشابك المصالح الدولية مع التعقيدات الميدانية، ما يجعل من أي جهد للتهدئة مهمة شديدة الصعوبة.
ومع ذلك، تحافظ مصر على موقعها كقناة اتصال موثوقة، مستفيدة من علاقاتها المتوازنة وقدرتها على إدارة حوارات غير مباشرة، بما يسهم في تقريب وجهات النظر وفتح نوافذ للحلول السياسية، في ظل انسداد العديد من المسارات الأخرى.
أستاذ سياسة: الوساطة المصرية تستهدف منع انفجار المنطقة لا إنهاء الحرب فورًا
يرى أستاذ السياسة الدولية سعيد الزغبي أن الوساطة المصرية في الأزمة الحالية لا تستهدف إنهاء الحرب بشكل فوري، بقدر ما تسعى إلى منع انفجار إقليمي واسع، مؤكدًا أن: «أول انتصار حقيقي للدبلوماسية في حروب الشرق الأوسط هو وقف الانهيار قبل البحث عن السلام».
وأوضح الزغبي أن هناك عدة عوامل تجعل القاهرة مؤهلة للقيام بهذا الدور، في مقدمتها موقعها الفريد داخل توازنات المنطقة، حيث تمتلك علاقات متشابكة مع مختلف الأطراف، بدءًا من شراكتها الاستراتيجية مع واشنطن، مرورًا بمعاهدة السلام والتنسيق الأمني مع إسرائيل، ووصولًا إلى قنوات اتصال دبلوماسية مع إيران، فضلًا عن شراكاتها الأمنية مع دول الخليج.
وأضاف أن هذا الوضع يسمح لمصر بلعب دور «دبلوماسية الجسر»، عبر فتح قنوات اتصال غير مباشرة بين الأطراف المتصارعة لتقريب وجهات النظر ومنع الانزلاق إلى فوضى شاملة.
تهديد البحر الأحمر وقناة السويس يفرض أولوية التهدئة
وأشار الزغبي إلى أن الوساطة المصرية لا تنطلق فقط من اعتبارات سياسية، بل ترتبط بشكل مباشر بالأمن القومي المصري، موضحًا أن استمرار الحرب يهدد مناطق حيوية مثل البحر الأحمر وقناة السويس، إلى جانب تأثيره على استقرار الخليج.
وأكد أن أي تصعيد قد يؤدي إلى اضطراب حركة التجارة والطاقة عالميًا، وهو ما ينعكس سلبًا على الاقتصاد المصري، ما يدفع القاهرة للتحرك السريع لاحتواء الأزمة.
وشدد الزغبي على أن مصر تمتلك تاريخًا طويلًا في إدارة الوساطات الإقليمية، سواء في اتفاقيات السلام العربية الإسرائيلية، أو جهود التهدئة بين الفصائل الفلسطينية، أو الاتصالات غير المباشرة بين أطراف الصراع في المنطقة، معتبرًا أن هذا الإرث يمنحها مصداقية دبلوماسية لا تتوفر لكثير من الدول.
وعن مؤشرات نجاح الوساطة، أوضح أن هناك إشارات إيجابية، أبرزها حالة «الإرهاق العسكري» التي بدأت تظهر على أطراف الصراع، حيث لم تحقق العمليات العسكرية حسمًا نهائيًا لأي طرف، وهو ما يفتح الباب أمام الحلول السياسية. كما لفت إلى القلق الدولي المتزايد من تهديد إمدادات الطاقة، خاصة في حال تأثر مضيق هرمز، وهو ما يدفع قوى كبرى للضغط باتجاه التهدئة، مع بروز القاهرة كوسيط مقبول.
وأضاف أن تعدد أطراف الوساطة، بمشاركة قوى إقليمية مثل تركيا وباكستان وبعض الدول الخليجية، يعزز فرص التوصل إلى مسار تفاوضي تدريجي.
فجوة المطالب بين واشنطن وطهران تعقد الوصول إلى اتفاق
في المقابل، حذر الزغبي من عقبات كبيرة قد تعرقل هذه الجهود، في مقدمتها ارتفاع سقف المطالب بين الأطراف، حيث تسعى إيران إلى رفع العقوبات والحصول على تعويضات والاعتراف بنفوذها الإقليمي، بينما تطالب الولايات المتحدة بوقف البرنامج النووي وتقليص الصواريخ وإنهاء دعم الميليشيات، وهو ما يخلق فجوة تفاوضية معقدة.
كما أشار إلى أزمة الثقة العميقة بين واشنطن وطهران، مؤكدًا أن المشكلة لا تكمن في الوسيط بقدر ما ترتبط بغياب الإرادة السياسية.
ولم يغفل كذلك الحسابات العسكرية لإسرائيل، التي قد ترى في استمرار الحرب فرصة لتحقيق أهداف استراتيجية، ما قد يبطئ مسار الوساطة.
السيناريوهات المحتملة
رجّح الزغبي أن يكون السيناريو الأقرب هو التوصل إلى هدنة مؤقتة ووقف إطلاق نار جزئي، مع فتح باب المفاوضات دون الوصول إلى حل شامل، وهو ما يشبه «تجميد الصراع».
كما طرح سيناريو اتفاق مرحلي يتضمن وقف العمليات العسكرية، وتأمين الممرات البحرية، وبدء مفاوضات حول الملف النووي، على غرار اتفاق 2015 ولكن بصيغة جديدة.
أما السيناريو الثالث، وهو التوصل إلى اتفاق شامل يشمل البرنامج النووي والصواريخ والنفوذ الإقليمي، فوصفه بأنه الأكثر صعوبة وقد يستغرق سنوات.
واختتم الزغبي تصريحاته بالتأكيد على أن الوساطة المصرية قد تنجح في تحقيق تهدئة ومنع التصعيد وفتح قنوات تفاوض، لكنها لن تكون كافية لإنهاء الصراع بشكل كامل، نظرًا لتعقيد جذوره وتشابك أبعاده الإقليمية والدولية.