في اكتشاف علمي استثنائي، كشفت بعثة بحثية في أعماق المحيط الهادئ عن مشهد غير مسبوق وهو بركان نشط تحت الماء قبالة الساحل الغربي لكندا، يحتضن ما قد يصل إلى مليون بيضة عملاقة لسمك الراي الأبيض (Bathyraja spinosissima)، في واحدة من أكبر حضانات الكائنات البحرية التي تم توثيقها حتى اليوم.
بركان خامد يتحول إلى واحة حياة
على خلاف التوقعات، لم يكن الجبل البحري الذي يرتفع نحو 1100 متر فوق قاع المحيط مجرد كتلة صخرية باردة وخاملة، بل كشف العلماء عن نشاط حراري ينبعث من فتحاته، ما خلق بيئة دافئة وغنية بالمعادن.
هذه الظروف الاستثنائية جذبت أشكالا متعددة من الحياة البحرية إلى منطقة كان يعتقد سابقا أنها شبه خالية من النشاط الحيوي.
وبحسب الباحثين، فإن هذا الموقع يمثل نموذجا فريدا لما يمكن أن تخبئه أعماق البحار من أنظمة بيئية غير مكتشفة.
حقل هائل من البيض العملاق
يضم البركان ما بين 100 ألف إلى مليون بيضة، يصل طول الواحدة منها إلى نحو نصف متر، وتُعرف باسم “محفظة الحورية” بسبب شكلها المميز هذا العدد يفوق بشكل هائل أي اكتشاف سابق، حيث لم يتجاوز عدد البيض المكتشف في مواقع أخرى مثل جزر غالاباغوس بضع عشرات فقط.
وفي سابقة علمية، تمكن الباحثون من توثيق لحظة وضع البيض من قبل سمك الراي الأبيض في بيئته الطبيعية، وهو سلوك لم يُرصد من قبل، ما يفتح آفاقا جديدة لفهم دورة حياة هذه الكائنات الغامضة.
حرارة البركان مفتاح البقاء
تلعب الحرارة المنبعثة من البركان دورا حاسما في تسريع نمو الأجنة، إذ قد تستغرق عملية تطور بيض الراي في المياه الباردة عدة سنوات لكن في هذه البيئة الدافئة نسبيا، تتسارع وتيرة النمو، ما يزيد من فرص بقاء الصغار.
كما توفر قمة الجبل البحري، الغنية بالشعاب المرجانية، ملاذا آمنا لصغار الراي في مراحلها الأولى، قبل انتقالها إلى أعماق المحيط، ما يعزز التنوع البيولوجي في المنطقة بشكل لافت.
كنز علمي مهدد
رغم الأهمية البيئية والعلمية الكبيرة لهذا الموقع، فإنه لا يتمتع بأي حماية قانونية حتى الآن، ما يجعله عرضة لأنشطة الصيد التجاري في أعماق البحار.
ويحذر العلماء من أن هذه الحضانة الطبيعية النادرة تمثل فرصة لا تقدر بثمن لفهم الأنظمة البيئية العميقة، مؤكدين ضرورة التحرك العاجل لحماية مثل هذه المواقع، خاصة في ظل التوسع المتزايد لمصائد الأسماك وضعف قدرة هذه الأنواع على التعافي.
نافذة جديدة على أعماق المحيط
هذا الاكتشاف لا يسلط الضوء فقط على سلوك تكاثري فريد، بل يكشف أيضا عن مدى تعقيد وغنى الحياة في أعماق البحار، وهي مناطق لا تزال تخفي الكثير من أسرارها.
ومع استمرار الاستكشاف العلمي، تتزايد الدعوات لحماية هذه البيئات الهشة، التي قد تحمل مفاتيح مهمة لفهم مستقبل الحياة البحرية على كوكب الأرض.





