قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

ياسر إبراهيم عبيدو يكتب: قراءة في التجربة الصينية بأرض الفيروز

ياسر إبراهيم عبيدو
ياسر إبراهيم عبيدو

تظل سيناء، تلك البقعة المباركة التي شرفها الحق سبحانه بالتجلي وذكرها في محكم التنزيل، هي الاختبار الحقيقي لإرادة البناء وعزيمة الاستقلال. واليوم، ونحن نرقب التحولات الكبرى في الجغرافيا السياسية العالمية، نجد أن "أرض الفيروز" لم تعد مجرد خط دفاع أولي، بل تحولت إلى ساحة لتدافع عالمي من نوع فريد، تدافع قوامه الاقتصاد ورأسماله التنمية، عملاً بقوله تعالى: ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾. إن عمارة الأرض هنا ليست ترفاً، بل هي فريضة استراتيجية وضرورة وجودية في عالم لا يحترم إلا الأقوياء اقتصاديا.

التنين يرسو في القنال.. صراع الأقطاب على ضفاف النيل
في خضم الصراعات الجيوسياسية المحتدمة، وبخاصة مع عودة لغة التهديد والوعيد الاقتصادي التي ينتهجها دونالد ترامب تجاه القوى الصاعدة، اختارت بكين أن ترد عملياً من قلب "المحروسة". إن توجه الصين لضخ استثمارات هائلة في "المنطقة الاقتصادية لقناة السويس" (SCZONE) ليس مجرد صفقة تجارية عابرة، بل هو إعادة تموضع استراتيجي ذكي. فبينما تحاول القوى الغربية ممارسة سياسات الحصار، تفتح مصر أبوابها لتكون "منصة التصدير العالمية" للصين، مستندة إلى موقع عبقري يربط الشرق بالغرب، ويمر عبره أكثر من 8% من التجارة العالمية.

إن لغة الأرقام لا تكذب؛ فوصول الاستثمارات الصينية إلى نحو 9 مليارات دولار بنهاية عام 2024، ومشاركة أكثر من 2000 شركة صينية في قطاعات حيوية، يعكس ثقة عميقة في الدولة المصرية، ويؤكد أن "سنن التدافع" التي ذكرها القرآن الكريم في قوله: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾، تتجلى اليوم في توازن القوى الاقتصادي الذي تقوده مصر بحكمة واقتدار.


سيناء والمدينة المليارية.. نبض جديد في قلب الصحراء
إن المفاجأة الكبرى التي يحملها المشهد الحالي هي دخول سيناء بعمق في معادلة الاستثمار الصناعي الثقيل. لم تعد "أرض الفيروز" مقتصرة على المشاهد السياحية الخلابة، بل نحن أمام مشروع مدينة اقتصادية كبرى في قلب سيناء بتكلفة تصل إلى 3 مليارات دولار. هذا المشروع يمثل "رأس حربة" في خطة التنمية الشاملة، حيث يستهدف تحويل المنطقة القريبة من شرق بورسعيد إلى قاعدة تصديرية كبرى، تتوجه بمنتجاتها إلى الأسواق الأوروبية والأفريقية بنسبة تصدير تصل إلى 90%.


ولا يتوقف الطموح عند حدود الصناعات التقليدية؛ بل يمتد إلى "اقتصاد المستقبل" عبر مشروع الهيدروجين الأخضر الذي يمتد على مساحة 127 كم على ساحل البحر الأحمر. 

إن هذا المشروع لا يهدف فقط لإنتاج الطاقة، بل هو استجابة لنداء الفطرة في الحفاظ على البيئة، وتطبيق لمفهوم "الخلافة في الأرض" عبر استخراج الرزق من موارد لا تنفد، بما يضمن سيادة مصرية كاملة على موارد الطاقة المتجددة.


الرؤية الجيوسياسية.. الشرق يكتب فصلا جديدا
إن ما يحدث في سيناء اليوم هو جزء من حكاية أكبر؛ حكاية عالم يتحلل من قيود القطبية الواحدة ليتجه نحو شراكات أكثر توازناً وعدلاً. إن "البوابة الصينية" في سيناء هي رسالة لكل من يحاول الضغط على القرار الوطني المصري، مفادها أن مصر تمتلك البدائل، وتمتلك القدرة على جذب الاستثمارات التي تحترم السيادة وتدفع بعجلة التنمية.


إن هذا الحضور الصيني القوي في العاصمة الإدارية والعلمين وصولاً إلى قلب سيناء، يبرهن على أن "الجمهورية الجديدة" قد نجحت في تحويل التحديات الأمنية إلى فرص اقتصادية ذهبية. وهو ما يتسق مع الرؤية التي طالما نادينا بها؛ بأن حماية سيناء لا تكون بالسلاح وحده، بل بزرعها بالبشر والمصانع والآمال.
 

ختاماً، إن ما نراه من حراك استثماري في سيناء هو بشرى بعهد جديد، عهد يمتزج فيه عبق التاريخ بآفاق التكنولوجيا الحديثة. هي دعوة لكل مصري ليدرك حجم الإنجاز، ويؤمن بأن أرضنا بكرٌ بفرصها، غنيةٌ برجالها، محروسةٌ بعناية خالقها. ستبقى سيناء دائماً هي "منارة العالم" كما نؤمن، ومنطلقاً لنهضة مصرية شاملة لا تعرف المستحيل، تصديقاً لقوله عز وجل: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾.