في قاهرة المعز لدين الله الفاطمي وتحديداً في شارع الأشراف يرقد الجسد الشريف الطاهر لواحدة من كبار نساء أهل البيت عليهم السلام .
إنها الكريمة العظيمة الحسيبة النسيبة سيدتنا السيدة سكينة ابنة الإمام الحسين الشهيد عليهما السلام .
سيدة تربعت على عرش النساء وعلى عرش التاريخ علوا وسموا ومجدا خالداً ورفعة تشرئب إليها القلوب والأرواح .
روت عن أبيها الأحاديث والآثار وكانت بديعة الجمال، عظيمة المحيا ،جميلة الطلعة، ذات وجه أزهر أبيض مشرب بالحمرة أشبه بوجه جدتها فاطمة الزهراء عليها السلام .
كانت كأبيها الإمام الحسين في المشية والحضور وحسن البيان وأخذت من جدها الأكبر مولانا الإمام علي البلاغة والفصاحة وفي كل،،،كانت امتداد للجناب النبوي الشريف فكانت تذكر الناس وكل من حولها بالجد الأكبر سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
كيف لا؟ وهي من أهل بيت النبوة الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا .
أمها الرباب بنت امرؤ القيس بن عدي ملك بني كلب وكانت من أحب زيجات الإمام الحسين إلى قلبه فكان معلقاً بحبها حبا شديداً وانشد في ذلك أبياتا من الشعر جاء فيها:
لَعَمرُكَ إِنَّني لَأُحِبُّ داراً
تَحلُّ بِها سَكينَةُ وَالرَبابُ
أُحِبُّهُما وَأَبذُلُ جُلَّ مالي
وَلَيسَ بِلائِمي فيها عِتابُ
وَلَستُ لَهُم وَإِن عَتِبوا مُطيعاً
حَياتي أَو يُغَيِّبني التُرابُ
ينطق اسمها المشهور [بضم السين وفتح الكاف] تصغيرًا على وزن (بُثَينَة)، وقد أخذ اسم (سُكَينة) من الهدوء والأمن والاستقرار والرضا، وقد جمعت في دمها بين آثار النبوة من أبيها الحسين، وبين جلال الملوكية العربية من أمها الرباب فكانت رغمها جمالها الكبير وتواضعها مهابة يكسوها الجلال مع الجمال .
سميت سُكَيْنَة لكونها فتاة خفيفة الروح، وسَكِيْنَة لما لها من طُّمَأْنينَةٍ ووَقار، إن نفوس أهلها وأسرتها كانت تسكن إليها من فرط فرحها ومرحها وحيويتها، كما قيل عن سبب ذلك أيضاً ما لاح منها وهي طفلة من أمارات الهدوء والسكينة وقد غلب هذا اللقب على اسمها الحقيقي آمنة فاشتهرت عبر التاريخ بسكينة لا بـ آمنة.
شهدت السيدة سكينة بنت الحسين معركة كربلاء عام 61 هـ وهي في سن الشباب (نحو 14 عاماً)، وعاصرت مقتل والدها الإمام الحسين، أخوتها، وأعمامها فعُرفت بصبرها وشجاعتها، وكانت ضمن سبايا أهل البيت إلى الكوفة والشام، ورأت أهوالاً عظيمة، وعاشت بعد الواقعة 56 عاماً لتنقل فاجعة كربلاء ...
تزوجها ابن عمها عبد الله بن الحسن الأكبر ، فقتل مع أبيها قبل الدخول بها.
كانت السيدة سكينة رضي الله عنها وأرضاها تبكي أباها وآل بيتها بكاءً مريرًا، وذكرت المصادر بكاءها الشديد في مجلس يزيد بن معاوية مما دفع الأخير في النهاية لإرجاع سبايا أهل البيت إلى المدينة المنورة بعد تأثير صراخهم وتصاعد الرفض الشعبي فساعدت بحسن بلاغتها وفصاحتها في تعرية النظام اليزيدي مما عجل بالإطاحة به وبحاشيته وجنده .
و على الرغم من كونها كانت أسيرة إلا أنها ورثت عن أبيها وعمتها زينب عزة النفس، ولم تضعف أمام الطاغية فرأت صولات عمتها العقيلة زينب رضي الله عنها وأرضاها وصرخاتها في مواجهة الطاغية اللعين ورأت صمود أخيها علي زين العابدين رضي الله عنه وأرضاه فجاءت كلماتهم مجتمعين كطلقات نارية استقرت في قلوب الطغاة ففجرتها .
لازمها الحزن والبكاء طوال حياتها، فقد عانت من مرارة اليتم وفقد الأحبة وهل من مثل أبيها الإمام الحسين ينسى؟
اصطبغت حياة السيدة الطاهرة سكينة بالفجيعة, وطبعت ذاكرتها على المأساة, فقد كتب عليها أن تشهد وترى بعينيها يوم كربلاء بكل مآسيه وأهواله، رأت جسد أبيها وأجساد أخوتها وأعمامها وبني عمومتها وأهل بيتها وزوجها الذي لم يدخل بها وهي مغطاة بالدماء في كربلاء, ورأت حتى جسد أخيها الرضيع وهو مذبوح فبقي هذا المنظر متجدداً معها فلازمها الحزن والبكاء طوال حياتها .
تزوجها مصعب أمير العراق ، ثم تزوجت بغير واحد-على خلاف بين المؤرخين-فهناك من يقول أنها لم تتزوج بعد مقتل زوجها عبد الله بن الإمام الحسن عليهما السلام .
كانت سلام الله عليها شهمة مهيبة حيث يروى أنها دخلت على هشام بن عبد الملك الخليفة فسلبته عمامته ومطرفه ، ومنطقته ، فأعطاها ذلك ، ولها نظم عظيم وكانت لها مجالس للعلم والأدب والشعر يحضرها العلماء والشعراء وكم أنفقت لهم من عطاءات وهدايا ثمينة .
كانت تنفق من جل مالها إنفاق من لا يخاف من ذي العرش إقلالا .
قال بعضهم : أتيتها فإذا ببابها جرير والفرزدق وجميل وكثير ، فأمرت لكل واحد بألف درهم .
خطبها الحجاج بن يوسف الثقفي فقالت له قولتها الشهيرة :«أتريد يا حجاج أن تمسح بطرف ثوبي ما علق بسيفك من دماء المسلمين"!
كان سبب دخولها مصر ومكثها فيها إلى أن انتقلت إلى الرفيق الأعلى أن خطبها الأصبغ بن عبد العزيز بن مروان أمير مصر من أخيها سيِّدِنا عليِّ زين العابدين، وكانت قد عادت من الحجاز الذي ذهبت إليه بعدما دخلت مصر مع عمّتها السيدةِ زينب بعد موقعة كربلاء.
أنزلها الأصبغ بمنية مسروح بن سندر، في شمال منية مطر بن سالم وهي التي عُرِفَت بـ«منية الأصبغ»، فما إن وصلت (منية الأصبغ) في مصر حتى كان الأصبغ قد مات قبل البناء بها .
ورغم سيرتها الفياضة إلا أنه لم يصل إلينا عبر التاريخ غير النذر اليسير لاتجاه الدولة الأموية وما بعدها لتغييب آثار أهل البيت وعلومهم خوفاً من اجتماع الناس عليهم وحولهم لاسيما أن قلوب الناس كانت ولا تزال تهوي إليهم لقرابتهم من سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فهم السلالة الطاهرة والمجد المتألق في أفق هذا الدين العظيم .
وستظل ديارهم قبلة كل باحث عن الحقيقة ووجهة كل سائر نحو الحق والفضيلة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين .
فلا تخلوا قبابهم وروضاتهم في مصر وخارجها من آلاف الزائرين كل يوم وهذه منقبة لهم وكرامة رغم أنف كل ناعق بالضلالة أو معترض وهو لا يدري .
رضي الله عن آل البيت وعنا بهم وادخلنا في معية آل البيت الطاهرين يوم يساق أهل الشر إلى سقر وأهل الخير إلى مقعد صدق عند مليك مقتدر .