تشهد العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران تصعيدًا غير مسبوق في أعقاب فشل جولة مفاوضات وُصفت بأنها الأطول والأكثر حساسية بين الطرفين خلال السنوات الأخيرة. وبينما كانت الآمال معلقة على تحقيق اختراق دبلوماسي يخفف من حدة التوتر، جاءت النتائج عكس التوقعات، لتفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الضغوط الاقتصادية والتلويح بالخيارات العسكرية، وسط حسابات معقدة لكل طرف.
مفاوضات شاقة تنتهي بلا اتفاق
كشف اللواء سمير فرج، الخبير العسكري والاستراتيجي، تفاصيل ما جرى خلال اللقاء الذي جمع وفدًا أمريكيًا رفيع المستوى برئاسة نائب الرئيس الامريكي، مع الجانب الإيراني. وأوضح أن هذه الجولة شهدت تطورًا لافتًا، حيث جلس الطرفان وجهًا لوجه داخل غرفة واحدة دون وسيط، في سابقة هي الأولى من نوعها.
واستمرت المباحثات لنحو 21 ساعة متواصلة، في محاولة للوصول إلى تفاهمات حول أبرز الملفات العالقة، وعلى رأسها البرنامج النووي الإيراني وأمن الملاحة في منطقة الخليج. إلا أن هذه الجهود انتهت بإعلان رسمي عن فشل المفاوضات، نتيجة تمسك كل طرف بمواقفه الأساسية.
نقاط الخلاف.. النووي ومضيق هرمز
بحسب فرج، تمثلت أبرز أسباب تعثر المحادثات في رفض إيران تسليم مخزونها من اليورانيوم المخصب، والذي يُقدّر بنحو 450 كيلوجرامًا بنسبة تخصيب تصل إلى 60%. واعتبر الجانب الأمريكي أن هذا المخزون يضع طهران على مسافة قصيرة من امتلاك القدرة على تصنيع سلاح نووي خلال فترة زمنية وجيزة.
كما رفضت إيران تقديم ضمانات تتعلق بحرية الملاحة وفتح مضيق هرمز، أحد أهم الممرات الاستراتيجية لنقل النفط عالميًا، مما زاد من حدة التوتر وأفشل فرص التوصل إلى اتفاق.
تصعيد أمريكي.. حصار بحري خانق
في أعقاب فشل المفاوضات، سارعت الإدارة الأمريكية إلى اتخاذ خطوة تصعيدية، تمثلت في فرض حصار بحري على إيران. وأوضح فرج أن هذا الحصار بدأ بالفعل، حيث تمركزت قطع بحرية أمريكية عند مدخل البحر العربي قبل مضيق هرمز، بهدف مراقبة ومنع حركة السفن من وإلى الموانئ الإيرانية.
ويشمل الحصار منع تصدير النفط الإيراني، الذي يُقدّر بنحو مليون ونصف المليون برميل يوميًا، إضافة إلى عرقلة أي واردات قد تحتاجها طهران، سواء كانت مواد خام أو قطع غيار. كما سيتم التحفظ على أي سفن تحمل نفطًا إيرانيًا، ومصادرتها، في خطوة تهدف إلى خنق الاقتصاد الإيراني بشكل كامل.
ضغوط اقتصادية قاسية على طهران
يمثل هذا الحصار ضربة قوية للاقتصاد الإيراني، الذي يعتمد بشكل أساسي على عائدات النفط كمصدر رئيسي للدخل. وأشار فرج إلى أن وقف هذا المورد الحيوي سيضع إيران أمام أزمة معيشية حادة، خاصة في ظل اعتمادها على الاستيراد لتلبية احتياجاتها الأساسية.
كما أن القيود المفروضة ستؤدي إلى شلل في العديد من القطاعات الحيوية، نتيجة نقص الإمدادات وقطع الغيار، ما يزيد من الضغوط الداخلية على الحكومة الإيرانية، ويهدد بحدوث اضطرابات شعبية.
رسائل متبادلة ومناورات سياسية
في المقابل، أشار فرج إلى أن التصعيد الأمريكي يحمل في طياته رسائل ضغط واضحة، تهدف إلى إجبار إيران على العودة إلى طاولة المفاوضات وتقديم تنازلات. ولفت إلى أن هناك مؤشرات على أن طهران قد تسعى بالفعل لإعادة فتح قنوات الحوار، لكن دون إظهار ضعف أمام الرأي العام الداخلي.
وأوضح أن الطرفين يدركان خطورة الانزلاق إلى مواجهة عسكرية شاملة، وهو ما يجعل التحركات الحالية أقرب إلى لعبة “عض الأصابع”، حيث يحاول كل طرف تحقيق أكبر مكاسب ممكنة دون الوصول إلى نقطة اللاعودة.
حسابات داخلية تعقّد المشهد
لم تغب الاعتبارات الداخلية عن هذا التصعيد، سواء في واشنطن أو طهران. ففي الولايات المتحدة، يواجه الرئيس ضغوطًا سياسية واقتصادية، خاصة مع ارتفاع أسعار الوقود، واقتراب استحقاقات انتخابية مهمة، مما يدفعه لتبني موقف حازم دون الانجرار إلى حرب طويلة قد لا تحظى بدعم شعبي.
أما في إيران، فالوضع الاقتصادي المتدهور يزيد من حساسية أي قرارات سياسية، مما يجعل القيادة الإيرانية تسعى لتحقيق توازن بين الحفاظ على هيبة الدولة وتجنب مزيد من الضغوط التي قد تؤدي إلى تفاقم الأوضاع الداخلية.
في ظل هذا التصعيد المتسارع، تبدو المنطقة على مفترق طرق بين خيارين .. إما استمرار الضغوط الاقتصادية التي قد تدفع إيران إلى تقديم تنازلات، أو الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة لا يرغب فيها أي من الطرفين. وبين هذا وذاك، تبقى الأيام المقبلة حاسمة في تحديد مسار الأزمة، وما إذا كانت ستشهد عودة إلى طاولة المفاوضات أم تصعيدًا جديدًا يهدد استقرار المنطقة بأكملها.