لم تعد تداعيات التوترات المرتبطة بـ إيران مقتصرة على النفط أو أسواق الطاقة، بل امتدت هذه المرة إلى أحد أشهر المكسرات في العالم: الفستق. فبحسب تقارير اقتصادية حديثة نشرتها وكالة بلومبيرج، قفزت أسعار الفستق عالمياً إلى أعلى مستوى لها منذ نحو ثماني سنوات، في انعكاس مباشر لاضطرابات الإمدادات وتزايد الطلب العالمي.
وسجل سعر الفستق القياسي نحو 4.57 دولارات للرطل خلال مارس الماضي، وهو أعلى مستوى منذ مايو 2018، كما ارتفع بنحو 30% مقارنة بنهاية عام 2023. هذه الزيادة اللافتة لم تأتِ من فراغ، بل نتيجة مزيج معقد من العوامل، في مقدمتها التوترات الجيوسياسية التي أثرت على صادرات إيران، التي تعد ثاني أكبر منتج للفستق في العالم.
ولا يعد الفستق مجرد "تسالي" عادية، بل يدخل في مجموعة واسعة من المنتجات اليومية، من الحلويات الشرقية إلى الآيس كريم والمشروبات، ما يجعل أي خلل في إمداداته سريع الظهور على رفوف المتاجر وأسعار المنتجات. ومع تراجع الصادرات الإيرانية بسبب الأوضاع الراهنة، بدأ السوق العالمي يشعر بالضغط.
ولم تكن هذه الأزمة وليدة اللحظة، إذ يعاني قطاع الفستق الإيراني منذ سنوات من العقوبات والتحديات اللوجستية، لكن التوترات الأخيرة زادت الوضع تعقيداً. كما ساهم تراجع المحصول المتوقع لعام 2025 في تقليص المعروض، ما خلق فجوة أكبر بين العرض والطلب.
اللافت أن الطلب على الفستق يشهد طفرة غير متوقعة، مدفوعة بعوامل "خفيفة" الطابع، مثل انتشار شوكولاتة "دبي" المحشوة بالفستق على مواقع التواصل منذ أواخر 2023، وهو ما أشعل شهية المستهلكين في أوروبا وآسيا والشرق الأوسط. كذلك، توسعت علامات عالمية في تقديم منتجات تعتمد على الفستق، ما زاد الضغط على الإمدادات.
ورغم أن الولايات المتحدة تنتج نحو 40% من الفستق عالمياً، فإن ذلك لم يكن كافياً لاحتواء الارتفاع الكبير في الأسعار، خاصة مع استمرار اضطرابات الشحن. فقد أشارت التقارير إلى أن خطوط شحن ألغت حجوزات إلى الشرق الأوسط منذ أوائل مارس، كما تأثرت الإمدادات إلى أسواق رئيسية مثل الهند.
ويحذر خبراء من أن استمرار الأزمة قد يدفع شركات الأغذية إلى رفع أسعار منتجاتها أو حتى تعديل وصفاتها، وربما استبدال الفستق بأنواع أخرى من المكسرات. وهنا يتحول الفستق من مجرد مكون لذيذ إلى مؤشر اقتصادي يعكس كيف يمكن للصراعات الجيوسياسية أن تصل إلى أدق تفاصيل الحياة اليومية.