قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

د . محمد عسكر يكتب : السوشيال ميديا وصناعة سرديات قتل النفس

محمد عسكر
محمد عسكر

في السنوات الأخيرة، لم تعد منصات التواصل الاجتماعي مجرد وسائط لنقل الأخبار أو تبادل الآراء، بل تحولت إلى بيئات رقمية معقدة تعيد تشكيل وعينا الجمعي وتؤثر في إدراكنا للواقع، بما في ذلك القضايا الأكثر حساسية مثل قتل النفس . 

وقد شهدنا مؤخرًا تصاعدًا ملحوظًا في تداول منشورات تتناول حوادث قتل النفس على نحو مكثف، وهو ما يطرح تساؤلات عميقة حول الدور الذي تلعبه التكنولوجيا في تضخيم هذه الظاهرة، وحدود المسؤولية الأخلاقية للمنصات الرقمية، وتأثير ذلك على الصحة النفسية للأفراد والمجتمعات.

من منظور تكنولوجي، تقوم منصات التواصل الاجتماعي على خوارزميات مصممة لتعظيم التفاعل، حيث يتم ترويج المحتوى القادر على إثارة مشاعر قوية مثل الحزن أو الصدمة أو التعاطف. هذا النمط من التصميم، الذي يُعرف باقتصاد الانتباه، يجعل من الأخبار المأساوية مادة مثالية للانتشار السريع، بغض النظر عن حساسية مضمونها. وبالتالي، فإن منشورات الانتحار لا تنتشر فقط لأنها مهمة، بل لأنها تحقق معدلات تفاعل مرتفعة، وهو ما يعيد إنتاجها بشكل متكرر على شاشات المستخدمين، في دائرة تغذية راجعة قد تكون خطرة.

تكمن الخطورة الأساسية في أن هذا التكرار لا يحدث في فراغ، بل في سياق نفسي واجتماعي معقد. فالمستخدم العادي لا يستهلك هذه المحتويات كخبر مجرد، بل يتفاعل معها عاطفيًا، وقد يُسقط عليها تجاربه الشخصية أو معاناته الخاصة. بالنسبة لبعض الأفراد، خصوصًا من يعانون من هشاشة نفسية أو عزلة اجتماعية، يمكن أن تتحول هذه المنشورات إلى محفزات غير مباشرة، تعزز لديهم الشعور باليأس أو تقدم لهم نماذج سلوكية مقلقة. 

وهنا لا يكون التأثير ناتجًا عن نية مباشرة من الناشر، بل عن بنية النظام الرقمي ذاته الذي يضخم الرسائل دون تمييز كافٍ بين ما هو توعوي وما هو مؤذٍ.

إضافة إلى ذلك، تسهم الطبيعة اللامركزية للمحتوى في غياب المعايير المهنية التي كانت تحكم التغطية الإعلامية التقليدية. ففي الصحافة الكلاسيكية، توجد ضوابط تحريرية تحد من نشر تفاصيل حساسة أو تقديم الانتحار بصورة رومانسية أو مبسطة، بينما على وسائل التواصل يمكن لأي مستخدم أن ينشر روايته الخاصة، مدعومة أحيانًا بصور أو تسجيلات أو رسائل شخصية، دون إدراك لتبعات ذلك. هذا الانفلات في السرد يحول الحادثة الفردية إلى مادة استهلاكية، ويضعف من البعد الإنساني لصالح فضول جماهيري سريع الزوال.

ولا يمكن إغفال دور "ثقافة الترند" في هذا السياق، حيث تميل المجتمعات الرقمية إلى تحويل الأحداث إلى موضوعات رائجة يتم تداولها بكثافة لفترة قصيرة، ثم استبدالها بغيرها. 

هذا النمط السريع من الاستهلاك يخلق مفارقة لافتة للانتباة: فبينما يبدو أن هناك اهتمامًا واسعًا بالقضية، فإن هذا الاهتمام غالبًا ما يكون سطحيًا، يفتقر إلى العمق التحليلي أو الالتزام الحقيقي بالحلول. وهكذا، تتحول مأساة إنسانية إلى لحظة عابرة في تدفق لا ينتهي من المحتوى.

من زاوية أخرى، لا يمكن اختزال دور التكنولوجيا في الجانب السلبي فقط، إذ تتيح المنصات الرقمية أيضًا فرصًا حقيقية لنشر الوعي والدعم النفسي، إذا ما استُخدمت بطريقة مسؤولة.

 يمكن للمحتوى التوعوي أن يساهم في كسر وصمة المرض النفسي، وتشجيع الأفراد على طلب المساعدة، وتوفير معلومات حول سبل الدعم المتاحة. غير أن تحقيق هذا الدور الإيجابي يتطلب تدخلًا واعيًا، سواء من قبل صناع المحتوى أو من خلال سياسات أكثر صرامة من المنصات نفسها.


وهنا تبرز إشكالية الحوكمة الرقمية، إذ تواجه الشركات التكنولوجية تحديًا معقدًا يتمثل في الموازنة بين حرية التعبير وحماية المستخدمين من المحتوى الضار. فالاعتماد على أنظمة الإشراف الآلي وحدها قد لا يكون كافيًا لفهم السياقات الثقافية واللغوية الدقيقة، بينما يظل الإشراف البشري محدودًا أمام الحجم الهائل من المحتوى المنشور يوميًا. لذلك، يصبح من الضروري تطوير نماذج هجينة تجمع بين الذكاء الاصطناعي والتقييم البشري، مع الاستفادة من خبرات المتخصصين في الصحة النفسية.

كما أن المسؤولية لا تقع على عاتق المنصات فقط، بل تمتد إلى المستخدمين أنفسهم بوصفهم شركاء في تشكيل الفضاء الرقمي. فكل مشاركة أو تعليق أو إعادة نشر تسهم في تحديد ما ينتشر وما يختفي. ومن ثم، فإن الوعي الفردي بطبيعة هذا التأثير يعد عنصرًا حاسمًا في الحد من تضخيم المحتوى المؤذي. الامتناع عن تداول التفاصيل الحساسة، وتفضيل المحتوى الذي يقدم دعمًا حقيقيًا، والإبلاغ عن المنشورات الضارة، كلها ممارسات بسيطة لكنها ذات أثر تراكمي كبير.

في الختام، تكشف ظاهرة انتشار منشورات الانتحار على وسائل التواصل الاجتماعي عن تداخل عميق بين التكنولوجيا والنفس البشرية، حيث لا يمكن فصل التصميم التقني عن نتائجه الاجتماعية.

 ومن وجهة نظرى، فإن التعامل مع هذه القضية يتطلب رؤية شاملة تدرك أن المنصات ليست مجرد أدوات محايدة، بل فاعلون مؤثرون في تشكيل السلوك والمعنى. وبينما تظل التكنولوجيا قادرة على أن تكون جزءًا من الحل، فإن ذلك مرهون بمدى قدرتنا على توجيهها ضمن إطار أخلاقي يضع الإنسان في صدارة الأولويات.