يواصل المخرج نمير عبد المسيح رحلته في البحث عن الجذور والهوية من خلال فيلمه الوثائقي الجديد “الحياة بعد سهام”، الذي لا يكتفي بسرد حكاية عائلية، بل يفتح بابا واسعا للتأمل في معنى الانتماء والذاكرة، ويكشف عن علاقة الإنسان بماضيه، خاصة حين يعيش بعيدا عن وطنه.
أري ابناء نمير عبد المسيح فى فيلمه
وكشف عبد المسيح لموقع صدى البلد الأخباري عن رد فعل أبنائه تجاه الفيلم، موضحا أنهم شعروا في البداية بقدر من القلق، خوفا من أن يظهر العمل بصورة غير لائقة أو يحمل طابعا شخصيا مبالغا فيه، لكنه قرر اصطحابهم معه لمشاهدته خلال عرضه في مهرجان كان السينمائي، وهو القرار الذي وصفه بالمفصلي، وقد جاءت ردود أفعالهم على عكس توقعاته، حيث عبروا عن سعادتهم الكبيرة بالفيلم، بل واكتشفوا من خلاله تفاصيل وحكايات جديدة عن جدهم وجدتهم لم يكونوا على دراية بها من قبل، وهو ما منح العمل بعدا إنسانيا أعمق داخل العائلة نفسها.
وأشار عبد المسيح إلى التحديات التي تواجه هذا النوع من السينما في الوصول إلى جمهور واسع، مؤكدا إدراكه للفارق الكبير في الجماهيرية بين الأفلام الروائية والوثائقية.
وأوضح أنه لا يشعر بالدهشة من ميل الجمهور إلى الأفلام الروائية الطويلة، بل اعترف بصراحة أنه شخصيا قد يختار مشاهدة فيلم روائي إذا وجد نفسه أمام خيار بين النوعين داخل قاعة السينما.
وشدد على أن هذا لا ينتقص من قيمة الفيلم الوثائقي، لافتا إلى أن هذه الظاهرة عالمية وليست مقتصرة على بلد بعينه.
ورغم هذه التحديات، أعرب عن سعادته بما حققه الفيلم من صدى لدى من شاهده، مؤكدا أن العمل استطاع أن يخلق حالة من التفاعل الحقيقي مع الجمهور، حتى وإن كان نطاقه محدودا نسبيا، وبالنسبة لي لا تقاس قيمة الفيلم بعدد المشاهدين فقط، بل بمدى تأثيره وعمق التجربة التي يقدمها.
الحياة بعد سهام ليس مجرد مشروع فني
وأوضح عبد المسيح أن الدافع وراء تقديم “الحياة بعد سهام” لم يكن مجرد مشروع فني، بل احتياج داخلي ملح، نابع من رغبة في طرح أسئلة وجودية تتعلق بالأصل والانتماء.
وأشار إلى أن هذه الأسئلة قد لا تشغل بال من يعيشون داخل أوطانهم بنفس الدرجة، لكنها تصبح أكثر إلحاحا لدى من اختبروا تجربة الهجرة والعيش في مجتمعات مختلفة، حيث تتعاظم الحاجة إلى فهم الذات والجذور.
وعن تطوره الفني، تحدث المخرج عن شعور كان يلازمه خلال أعماله السابقة، حيث كان يشعر بالسعادة من ناحية كونه مخرجا، لكنه في الوقت نفسه كان يفتقد شيئا ما، وكأنه يقدم أعمالا بعيدة عنه على المستوى الشخصي، وهذا الإحساس دفعه إلى إعادة التفكير في منهجه، ليطرح على نفسه سؤالا مختلفا: من الذي أريد أن أصوره؟ وكانت الإجابة واضحة وبسيطة في آن واحد، إذ أراد أن يوجه الكاميرا نحو أقرب الناس إليه: والديه، وعائلته، وتفاصيل الحياة اليومية التي تجمعهم.
ومن هنا، تحولت فكرة الفيلم إلى محاولة للاحتفاظ باللحظات الإنسانية الصادقة، حيث يصبح التصوير فعلا نابعا من الحب، ورغبة في توثيق من نحب قبل أن يغيّبهم الزمن، وهذه الفلسفة انعكست بوضوح على أسلوب الفيلم، الذي جاء حميميا وصادقا، بعيدا عن أي تكلف.
وكشف عبد المسيح أن رحلة صناعة الفيلم استغرقت نحو عشر سنوات، بدأت بفكرة كانت أقرب إلى سيناريو روائي طويل، وكان من المقرر أن تشارك فيه ماريان كممثلة تؤدي دور والدته، قبل أن يتحول المشروع تدريجيا إلى فيلم وثائقي، وخلال هذه السنوات، قام بتصوير ساعات طويلة دون تخطيط صارم، ملتقطا كل ما يشعر بأهميته، قبل أن تبدأ مرحلة المشاهدة وإعادة التكوين.
وأوضح أن عملية المونتاج كانت من أكثر المراحل تعقيدا، حيث استغرقت عاما كاملا بالتعاون مع اثنين من المونتيرين، وكان السؤال الأساسي الذي يطرح نفسه باستمرار: ما هو موضوع الفيلم؟ وما الحكاية التي يريد أن يرويها؟ ومع الوقت، بدأت ملامح العمل تتشكل، وظهر المعنى الكامن خلف كل هذه المواد المصورة.
ويمتد فيلم “الحياة بعد سهام” على مدار 76 دقيقة، ويعد العمل الوثائقي الطويل الثاني في مسيرة عبد المسيح، حيث يواصل من خلاله استكشاف قضايا الهوية والانتماء والذاكرة، عبر معالجة إنسانية عميقة تمس وجدان المشاهد. ويغوص الفيلم في تاريخ عائلته الممتد بين مصر وفرنسا، مستلهما في رحلته بعض المرجعيات السينمائية، خاصة أعمال يوسف شاهين، ليقدم تجربة بصرية وشعورية تتناول الاغتراب، لكنها في جوهرها تظل حكاية عن الحب قبل أي شيء آخر.



