قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

عبد السلام فاروق: "جائزة الشيخ زايد" ..عشرون عاما في خدمة الثقافة

عبد السلام فاروق
عبد السلام فاروق

لا أكتب عادة عن الجوائز الأدبية، ليس زهداً فيها، فالمال حلال، والاعتراف بالفضل لأهله واجب، ولكن لأن معظم ما ينشر في الصحف العربية عن هذه المناسبات هو إعادة صياغة للبيانات الصحفية التي تصدرها الجهات المانحة.

 بيان طويل، بلغة خشبية في الغالب، تحصى فيه الأرقام والإنجازات، وتصف فيه لجان التحكيم بأوصاف القداسة والنزاهة، وكأننا في حفل تأبين وليس في مشهد ثقافي يفترض أن يكون حيوياً، مفتوحاً على النقاش والاختلاف. لكن بيان جائزة الشيخ زايد للكتاب في دورتها العشرين (2025-2026)، بمناسبة مرور عقدين على تأسيسها، يفرض نفسه على المتابع، ليس فقط لضخامة الحدث، ولكن لأنه يقدم مادة دسمة للتحليل.

 هو، بمعنى ما، مرآة تعكس وجه الثقافة العربية الرسمية اليوم طموحاتها، إنجازاتها التي لا تنكر، وأيضاً تناقضاتها وأسئلتها المعلقة.

لنبدأ من حيث يبدأ أي قارئ للبيان لغة الاحتفاء. "منصة معرفية عالمية"، "رسالة دائمة"، "رؤية استراتيجية"، "اقتصاد المعرفة". هذه ليست مجرد كلمات، إنها مفردات قاموس سياسي ثقافي أصبح سائداً في الخليج، وخصوصاً في الإمارات. لا غبار على الأهداف. من ذا الذي يعترض على دعم الإبداع العربي، أو على ترجمة الأدب العربي إلى لغات العالم، أو على تكريم باحثين قضوا أعمارهم في فك طلاسم المخطوطات، من يجادل في ذلك هو إما جاحد أو مغرض. 

الأرقام التي يوردها البيان مذهلة بكل المقاييس أكثر من 33 ألف مشاركة من 80 دولة، 136 فائزاً، 50 كتاباً مترجماً إلى 12 لغة. هذا إنجاز مؤسسي هائل، يشي بعمل دؤوب ومنظم، ويؤكد أن مركز أبوظبي للغة العربية تحول إلى قاطرة حقيقية للعمل الثقافي العربي. هذا هو الوجه المشرق للقصة، وسأعود إليه لاحقاً بتفصيل أكبر عندما أتناول بعض الفائزين الذين يستحقون الإشادة عن جدارة.
لكن، ولأن الكاتب الموضوعي لا يجوز له أن يكون بوقاً للسلطة، حتى لو كانت سلطة ثقافية نبيلة، فإن هذه الأرقام الضخمة وهذه اللغة الاحتفالية تثير في نفسي، وأنا رجل  جاوز الخمسين من العمر قضيتها بين الكتب والصحف، أسئلة لا تقل أهمية عن حفلات التكريم. السؤال الأول هل كل ما يلمع ذهباً ؟  أعني، في خضم هذا الكم الهائل من الترشيحات والفائزين، ألا يوجد هامش للخطأ، أو على الأقل، للمجاملات التي لا يخلو منها عمل بشري مهما حاول صانعوه أن يغلفوه بهالة من النزاهة والموضوعية والشفافية؟
لنأخذ مثالا من هذه الدورة بالذات. في فئة الأدب، فاز الكاتب المصري أشرف العشماوي عن روايته "ولادات في حديقة الحيوان".

 أقرأ في البيان وصفاً أدبياً مكثفاً للرواية: "تستلهم من تقاليد الواقعية العربية... قراءة اجتماعية ونفسية عميقة... توازن بين حس تاريخي دقيق وخيال فني منضبط". كل هذا جميل. ولكنني، وبحكم متابعتي للمشهد الروائي المصري والعربي، لا يسعني إلا أن أتساءل هل هذه هي الرواية الأهم التي صدرت في العالم العربي خلال العامين الماضيين لتتوج بجائزة بهذا الحجم والاعتبار؟ أعرف أن لجنة التحكيم لديها معاييرها، وأنها قرأت آلاف الروايات، وأن مهمتي ليست التشكيك في ذائقتها. لكن النقد الأدبي، خلافاً للبيانات الصحفية، يعيش على المقارنة والمفاضلة وطرح الأسئلة. أين هي الروايات العربية التي أحدثت ضجة نقدية حقيقية، تلك التي تطرح أسئلة كبرى على الذات العربية، لا فقط تلك التي "تتتبع تحولات وعي الفرد المصري وعلاقته بالمجتمع"؟ أقول هذا ليس انتقاصاً من جهد الكاتب، الذي أتمنى له كل التوفيق، ولكن لأن ثقل جائزة مثل الشيخ زايد يفرض عليها أن تكون في صدارة المشهد، لا أن تكتفي باللحاق به. كثيراً ما شعرتُ، عبر عشرين عاماً من عمر الجائزة، أن بعض اختياراتها تميل إلى الأعمال الآمنة، تلك التي لا تغضب أحداً، ولا تثير زوبعة في فنجان. وهذا، في رأيي، أخطر ما يمكن أن تواجهه جائزة طموحة أن تتحول إلى ماكينة لتوزيع شهادات حسن السلوك الأدبي.

وإذا انتقلنا إلى فئة النقد الأدبي والفني، نجد فوز الباحث الأردني زهير توفيق عن كتابه "إدراك العالم: الصور النمطية المتبادلة بين الذات والآخر". مرة أخرى، موضوع شائك ومهم، و"منهج ينظر إلى الآخر كعنصر بنيوي في تكوين الذات العربية". جميل جداً. لكنني أتساءل كم قارئاً عربياً، من غير المتخصصين، سيقرأ هذا الكتاب؟ وكم كاتباً عربياً، ممن يكررون الصور النمطية عن الغرب دون أدنى تفكير نقدي، سمع بهذا الكتاب أصلاً؟ المشكلة ليست في الكتاب أو في جودته، التي أفترض أنها عالية. المشكلة أبعد من ذلك بكثير. إنها مشكلة الفجوة الهائلة بين الإنتاج الأكاديمي الرصين والواقع الثقافي العربي المعاش. نحن نكرم كتباً لا تقرأ إلا في أروقة الجامعات، بينما يغرق الفضاء العام في تفاهة وسطحية وخطاب كراهية. الجوائز، في نهاية المطاف، هي وسيلة وليست غاية. الغاية هي أن يكون للكتاب أثر في الوعي الجمعي. وإذا بقيت هذه الكتب الجليلة حبيسة رفوف المكتبات الخاصة، فماذا نكون قد حققنا بالضبط؟ نكون قد أنجزنا طقساً ثقافياً جميلاً، لكنه عقيم.

وهنا، اسمحوا لي أن أنتقل إلى الوجه الآخر، الوجه الذي يدفعني للكتابة عن هذه الجائزة بكل تقدير واحترام. هناك فائزون في هذه الدورة يجعلونك ترفع القبعة، ليس فقط لمستوى أعمالهم، ولكن أيضاً لما تمثله هذه الأعمال من جسور حقيقية بين الثقافات. أتحدث تحديداً عن فوز الباحث الألماني ستيفان فايدنر بجائزة الثقافة العربية بلغات أخرى عن كتابه "الديوان العربي: أجمل القصائد من العصر الجاهلي وما بعده". هذا، يا سادة، هو الخبر الثقافي الحقيقي. أن يأتي باحث ومترجم ألماني، في وقت تتصاعد فيه موجات العداء للإسلام والعرب في أوروبا، ليقدم للقارئ الناطق بالألمانية مختارات ضخمة من الشعر العربي القديم، مصحوبة بشروح ومقدمة تضع النصوص في سياقها الإنساني، فهذا عمل لا يقدر بثمن. البيان يقول إنه أضخم عمل من نوعه منذ القرن التاسع عشر في العالم الناطق بالألمانية. هذا إنجاز يستحق أن تدفع له الجائزة الملايين. هذا هو بالضبط ما نعنيه بـ "تعزيز الحوار بين الثقافات". هذا هو الاستثمار الحقيقي في "قوة مصر الناعمة" أو "قوة الإمارات الناعمة". أن يقرأ شاب ألماني قصيدة للمتنبي أو لأبي نواس بترجمة وتحليل رصين، فهذا أفضل ألف مرة من آلاف الكتيبات الدعائية الباهتة التي توزع في معارض الكتاب عن تسامح الإسلام . هذا عمل ثقافي حقيقي، عميق، ومؤثر على المدى الطويل.

وكذلك الأمر بالنسبة لفوز الباحثة نوال نصر الله بجائزة الترجمة عن نقلها لكتاب "أنواز الصيدلة في ألوان العتيمة" من العربية إلى الإنجليزية. هنا عمل أكاديمي مضني ، تحرير نقدي للمخطوطات، فهم عميق لثقافة الطعام في الأندلس والمغرب، ونقل لكل هذه التفاصيل الدقيقة إلى لغة عالمية. هذا ليس مجرد كتاب طبخ، كما قد يتبادر إلى الذهن. هذا كتاب في التاريخ الاجتماعي، في الاقتصاد، في علم النبات، في الطب. إخراج مثل هذا النص من ظلام المخطوطات إلى نور المطبوعات العالمية هو بالضبط ما يجب أن تفعله مؤسسة ثقافية كبرى. هذا هو البعد الآخر لـ "عولمة المعرفة"، البعد الذي يتجاوز الشعارات الرنانة ليغوص في أعماق التراث ويقدمه للعالم كجزء من الإرث الإنساني المشترك.

لكن، وكما في كل مشهد، هناك ما يستحق التوقف عنده بإجلال واحترام. خذ مثلا فئة المخطوطات والموسوعات والمعاجم، حيث فاز الأستاذ الدكتور محمد الخشت   بجائزة أفضل موسوعة عن "موسوعة أديان العالم" المكونة من ستة مجلدات، والتي نشرتها جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية. هذا، يا سادة، هو العمل الموسوعي الذي يذكرنا بزمن النهضة العربية الأولى، حين كان العلماء يحيطون بالموضوع من كل جوانبه، لا يتركون شاردة ولا واردة إلا أحصوها. في زمن تكثر فيه الكتيبات السطحية عن الأديان، وتنتشر فيه خطابات الكراهية المتبادلة باسم العقيدة، يأتي هذا العمل الضخم ليقدم دراسة شاملة للأديان والطوائف والمذاهب ضمن إطار منهجي واضح.

أما في فئة النشر والتكنولوجيا، فإن تكريم مؤسسة الإمارات للآداب هو تكريم مستحق عن جدارة. هذه المؤسسة، التي أسستها إيزابيل أبو الهول، ليست مجرد جهة تنظم مهرجاناً أدبياً سنوياً. إنها مختبر حقيقي لصناعة القراءة في الإمارات. هي التي تذهب إلى المدارس، وتدرب المعلمين، وتستضيف الكتاب من كل أنحاء العالم، وتخلق جمهوراً حقيقياً للأدب في بلد كان إلى عهد قريب يعتمد على الثقافة المستوردة. تكريمها هو اعتراف بأن صناعة النشر لا تتعلق فقط بالورق والحبر، بل ببناء الإنسان القارئ، وهذا هو الاستثمار الأهم على الإطلاق، كما يقول البيان.

وأخيراً، وليس آخراً، تكريم الفنانة الكبيرة نجاة الصغيرة كشخصية العام الثقافية. هنا، أستطيع القول إن الجائزة أصابت الهدف في الصميم. نجاة الصغيرة مدرسة فنية وغنائية متفردة في الذائقة العربية. هي التي غنت القصيدة العربية الفصحى فجعلتها تسري في وجدان الملايين، من المحيط إلى الخليج. هي التي جعلتنا نقع في حب اللغة العربية دون أن ندري، بصوتها العذب وأدائها المرهف.

 تكريمها هو تكريم لذاكرة ثقافية عربية مشتركة، تلك الذاكرة التي تحاول الأيام والانقسامات أن تمحوها. هذا الاختيار يذكرنا بأن الثقافة ليست فقط كتباً ومخطوطات وموسوعات، إنما هي أيضاً ذلك الصوت الذي كان ينساب من الراديو في ليلة شتوية دافئة، فيوحد مشاعرنا رغم كل ما يفرقنا. هذا التكريم، في تقديري، هو الأكثر شعبية وجماهيرية، وهو الأقرب إلى روح الشيخ زايد، رحمه الله، الذي كان يعرف أن بناء الإنسان لا يتم فقط بالجامعات والمصانع، لكن أيضاً بالشعر والموسيقى والفن الأصيل.

يبقى سؤال معلق في الهواء، يخص جائزة بثقل جائزة الشيخ زايد المالي. مليون درهم لشخصية العام، و750 ألفاً لباقي الفائزين. هذه مبالغ محترمة جداً، بل هي من أعلى الجوائز المالية في العالم العربي، إن لم تكن أعلاها. في زمن تتآكل فيه قيمة الكتاب، ويجد الكاتب نفسه مضطراً لمزاولة مهن أخرى ليعيش، يأتي هذا الدعم المالي ليكون بمثابة طوق نجاة. هو يقول للكاتب استمر، مجتمعك يقدر ما تفعل. هذه رسالة في غاية الأهمية. لكن السؤال الذي يطرح نفسه هل ينعكس هذا الكرم المالي على وصول الكتاب إلى القارئ؟ أعرف أن الجائزة تمول ترجمة الأعمال الفائزة، وهذا ممتاز. لكن ماذا عن التوزيع داخل العالم العربي؟ ما زالت مشكلة توزيع الكتاب العربي هي العقبة الكأداء أمام أي نهضة ثقافية حقيقية. يمكنك أن تمنح كاتباً مليون درهم، ولكن إذا لم يجد قارئه في المغرب أو العراق أو السودان كتابَه في المكتبات، فالمشكلة ما زالت قائمة. ربما آن الأوان لأن تفكر جائزة الشيخ زايد في إنشاء ذراع توزيع عربي حقيقي، أو شراكة مع منصات رقمية تجعل هذه الأعمال المكرمة في متناول ملايين القراء المحتملين بتكلفة زهيدة. هذا هو التحدي الأكبر في عقدها الثالث.

في الختام، لا يمكن إلا الإشادة بالإرث الذي بنته جائزة الشيخ زايد للكتاب خلال عقدين. لقد انتقلت من مجرد فكرة إلى مؤسسة عملاقة، وأصبحت فاعلاً أساسياً في رسم خريطة الثقافة العربية المعاصرة. وجود لجان تحكيم تضم العشرات من الأكاديميين والنقاد، وآلية عمل متعددة المراحل، وتنوع في الفائزين من مختلف الأقطار العربية وحتى غير العرب، كلها مؤشرات على نضج وتطور. لكن النضج الحقيقي لا يقاس فقط بالقدرة على الاحتفاء بالنفس، ولكن بالقدرة على النقد الذاتي وفتح المجال للأسئلة الصعبة. هل نملك الجرأة على تكريم الكتاب الذي يزعجنا؟ هل نملك القدرة على الوصول بالكتاب الجيد إلى القارئ الذي لا يعرف أنه بحاجة إليه؟ هذه هي الأسئلة التي أتمنى أن تشغل بال القائمين على هذه الجائزة العريقة في عقدها الثالث. فالثقافة، في أعمق تجلياتها، فعل مقاومة دائم ضد الجهل والنسيان والتفاهة. وجائزة الشيخ زايد، بما تملكه من موارد ومكانة، قادرة على أن تكون في طليعة هذا الفعل المقاوم. الأمر يحتاج فقط إلى قليل من الشجاعة، وكثير من الإيمان بأن الكتاب، فعلا، هو أقوى سلاح لتغيير العالم. أما الأرقام والبيانات واللغة الخشبية، فهي أمور يمكن تركها للإداريين وأقسام العلاقات العامة.