في لحظة خاطفة تحوّلت إلى فاجعة موجعة، استيقظت محافظة الإسماعيلية على حادث مأساوي أودى بحياة شابة في مقتبل العمر، بعدما دهستها معدة ثقيلة خلال أعمال رصف طريق بأحد أكثر شوارع المدينة حيوية. وبين صدمة الأهالي، وتحرك الأجهزة الأمنية، وقرارات عاجلة من المسؤولين، تتكشف تفاصيل حادث يطرح تساؤلات حادة حول إجراءات السلامة في مواقع العمل المفتوحة.
تفاصيل الحادث.. لحظات عادية تنتهي بكارثة
وقعت الحادثة في الشارع التجاري بمنطقة الشيخ زايد بحي ثالث مدينة الإسماعيلية، أثناء تنفيذ أعمال تطوير ورصف للطرق. ووفقًا للمعلومات الأولية، كانت معدة “هراس الأسفلت” (الدكاك) تتحرك لتسوية الطبقة الأسفلتية، في وقت تواجدت فيه الضحية، بسمة مجدي نصر عبيد، البالغة من العمر 31 عامًا، بالقرب من موقع العمل.
وخلال تحرك المعدة الثقيلة، لم ينتبه السائق لوجودها خلفه، لتتعرض للدهس أسفل عجلات الهراس، ما أدى إلى وفاتها في الحال متأثرة بإصابات بالغة، أبرزها تهشم شديد في الجمجمة نتيجة الاصطدام المباشر.
استجابة سريعة وتحقيقات جارية
فور تلقي البلاغ، انتقلت الأجهزة الأمنية وسيارات الإسعاف إلى موقع الحادث، حيث جرى نقل الجثمان إلى المشرحة تحت تصرف جهات التحقيق المختصة. كما تم تحرير محضر بالواقعة، وبدأت النيابة العامة تحقيقاتها لكشف ملابسات الحادث، وتحديد المسؤوليات، خاصة فيما يتعلق بإجراءات تأمين موقع العمل.
وفي إطار التحرك السريع، ألقت الأجهزة الأمنية القبض على سائق الهراس، تمهيدًا لاستجوابه بشأن الواقعة، ومعرفة ما إذا كان هناك إهمال أو تقصير أدى إلى وقوع الحادث.
شهادات شهود العيان.. صرخات لم تُسمع
بحسب روايات عدد من شهود العيان، كانت الضحية تسير خلف المعدة دون أن ينتبه لها السائق، في وقت حاول فيه المارة تنبيهه بالصراخ، إلا أن الضوضاء العالية للمعدة حالت دون وصول أصواتهم إليه، لتنتهي اللحظة بكارثة إنسانية مؤلمة.
هذه الشهادات أعادت إلى الواجهة التساؤلات حول غياب وسائل التحذير الكافية، مثل الحواجز أو الإشارات أو أفراد التنظيم، خاصة في شارع حيوي يشهد كثافة مرورية وبشرية.
صديقتها تروي: "كانت ملاكًا على الأرض"
بصوت يملؤه الحزن والصدمة، روت إحدى صديقات الضحية تفاصيل مؤثرة عن حياة بسمة، قائلة: "بسمة مجدي كانت خريجة آداب قسم فرنسي، وقربت تكمل 31 سنة، وكانت إنسانة في قمة الأخلاق والاحترام، سواء في كلامها أو في لبسها. كانت فعلًا ملاكًا على الأرض، مفيش حد اتعامل معاها واتضايق منها يوم، الابتسامة ما كانتش بتفارق وشها أبدًا".
وأضافت الصديقة أن بسمة لم تكن على خلاف مع أحد، وأنها يوم الحادث كانت متجهة لشراء شيء تحبه والدتها، قائلة: "ما كانش في أي مشكلة بينها وبين السائق، هي كانت نازلة تجيب حاجة لمامتها، وفجأة اتفاجئنا باللي حصل... الصدمة كانت فوق الاحتمال".
حلم لم يكتمل.. شبكة لم تُرتدَ
من أكثر التفاصيل إيلامًا، أن بسمة كانت قد اشترت شبكة خطوبتها قبل يومين فقط من الحادث، ولم تُتح لها الفرصة لارتدائها. تقول صديقتها: "لسه كانت جايبة شبكتها من يومين، وكانت فرحانة جدًا، وكنا بنتقابل كل أسبوع... محدش كان يتخيل إن ده آخر لقاء".
جنازة مهيبة وحزن جماعي
شهدت كنيسة الأنبا بولا جنازة مهيبة للراحلة، حيث احتشد المئات من الأهل والأصدقاء والمعارف داخل الكنيسة وخارجها، في مشهد يعكس مدى محبتها في قلوب الجميع. وأضافت صديقتها: "الكنيسة كانت مليانة بشكل غير طبيعي، الكل كان منهار ومش مصدق اللي حصل.. لحد دلوقتي محدش مستوعب إنها مش موجودة".
صداقة العمر
اختتمت الصديقة حديثها برسالة مؤثرة، مؤكدة عمق علاقتهما التي امتدت منذ مرحلة الإعدادية، قائلة: "إحنا أصحاب من زمان جدًا، عمرنا ما اختلفنا، وكانت دايمًا متفوقة ومحترمة بشكل كبير. اللي حصل ده لازم يكون له حساب، إزاي معدات شغالة في طريق حيوي من غير تنظيم أو إجراءات أمان كافية؟!".
في الختام، لا يبقى من الحادث سوى وجعٍ ثقيل في قلوب أسرة فقدت ابنتها، ودرسٍ قاسٍ يجب ألا يمر مرور الكرام. تظل وفاة بسمة مجدي أكثر من مجرد واقعة مؤلمة؛ إنها رسالة واضحة بأن أرواح الناس يجب أن تكون دائمًا في صدارة أي عمل أو تطوير أو مشروع. وبينما تنتظر الأسرة كلمة عدل تُنصفها، يبقى الأمل أن تكون هذه المأساة بداية لمراجعة جادة لكل ما يتعلق بتأمين مواقع العمل.