قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

د. أمل منصور تكتب: الاحتواء.. هل هو فطرة أنثى أم مسؤولية رجل؟

د. أمل منصور
د. أمل منصور

ليست كل العلاقات التي تستمر هي علاقات حية… بعضها يواصل السير فقط لأنه تعلّم كيف يتجاهل الفراغ داخله. تبدو متماسكة من الخارج، لكنها من الداخل تشبه جدرانًا متقابلة، لا تسقط… لكنها أيضًا لا تقترب. وفي قلب هذه المسافة غير المرئية، يتوارى شيء لا يمكن تعويضه بالكلمات أو الهدايا أو حتى الوجود الجسدي… يتوارى الاحتواء.

الاحتواء ليس تفصيلًا إضافيًا في العلاقة، ولا رفاهية عاطفية يمكن الاستغناء عنها عند الانشغال. هو البنية الخفية التي يقوم عليها الشعور بالأمان. هو الإحساس العميق بأنك لا تحتاج إلى أن تُجمّل نفسك كي تُقبل، ولا أن تُخفي ضعفك كي لا تُرفض. هو أن تجد مكانًا داخليًا لدى الآخر، لا تُطرد منه كلما ساء مزاجك أو تعثرت مشاعرك.

الاحتواء هو أن تكون مرئيًا… لا بشكل سطحي، بل في أدق طبقاتك، في تناقضاتك، في تلك الأجزاء التي لا تُفهم بسهولة… ومع ذلك، لا يتم الحكم عليك.

وهنا يبدأ السؤال الذي يتكرر في صمت داخل كثير من العلاقات: من يمنح هذا الشعور؟ هل خُلقت المرأة لتحتوي، أم أن الرجل هو من يُفترض به أن يصنع هذا الأمان؟ أم أن السؤال نفسه يحمل تبسيطًا مخلًا لما هو أعمق بكثير؟

المرأة، في صورتها التي تشكلت عبر سنوات طويلة من التوقعات الاجتماعية، تُدفع لتكون مساحة… مساحة تستوعب، تُنصت، تتحمل، وتُرمم. يُطلب منها أن تفهم ما لم يُقال، وأن تغفر ما لم يُعتذر عنه، وأن تظل ثابتة حتى في اللحظات التي تتشقق فيها من الداخل. ومع الوقت، لا تعود تمارس الاحتواء كاختيار، بل كدور تخاف أن تتخلى عنه، حتى لا تُتّهم بالقسوة أو التقصير.

لكن الاحتواء الأنثوي، في صورته المشوهة، يتحول إلى ذوبان. إلى محاولة مستمرة لإبقاء العلاقة حية على حساب الذات. إلى عطاء لا ينتهي، لا لأنه نابع من وفرة، بل لأنه مدفوع بخوف خفي من الفقد. وهنا يفقد الاحتواء معناه، ويتحول إلى استنزاف صامت، لا يراه أحد… حتى هي.

الاحتواء الحقيقي لا يُبنى على الخوف… بل على الأمان. لا يعني أن تُبرر كل شيء، ولا أن تُلغي حدودك، ولا أن تتحملي ما يكسر روحك تحت اسم الحب. الاحتواء الناضج هو أن تُحبي دون أن تختفي، وأن تُعطي دون أن تُفرغي نفسك، وأن تفهمي دون أن تتنازلي عن وضوحك.

وفي الجهة الأخرى، يقف الرجل محاطًا بإرث مختلف. إرث يربطه بالقوة أكثر مما يربطه بالإحساس، ويطالبه بالتماسك أكثر مما يسمح له بالتعبير. يُربى على أن السيطرة دليل نضج، وأن الصمت شكل من أشكال الرجولة، وأن المشاعر إن ظهرت أكثر من اللازم قد تُفقده صورته.

فيكبر وهو يشعر كثيرًا… لكنه لا يعرف كيف يقول. يضيق بما يحدث داخله، لكنه لا يملك اللغة التي تشرحه، ولا المساحة التي تسمح له بأن يُرى كما هو. ولهذا، لا يكون غيابه عن الاحتواء دائمًا رفضًا له… بل عجزًا عن ممارسته.

الاحتواء الرجولي الحقيقي لا يتجلى في القرارات الكبيرة، بل في التفاصيل التي تمر دون لفت انتباه. في نبرة صوت تهدأ بدل أن ترتفع، في سؤال يأتي بدافع الفهم لا التحقيق، في قدرة على البقاء في لحظة انفعال دون انسحاب أو هجوم.

هو أن يمنحها شعورًا خفيًا بأنها لا تحتاج أن تُدافع عن مشاعرها، ولا أن تشرح ألمها بطريقة مقنعة حتى يُعترف به. أن يُدرك أن ما تقوله ليس دائمًا طلبًا للحل، بل أحيانًا رغبة في أن يُشاركها أحد ثقل ما تشعر به.

الاحتواء الرجولي هو أن يحتمل ارتباكها دون أن يفسره كاتهام، وأن يقترب في اللحظة التي يميل فيها الآخرون إلى الابتعاد. هو أن يفهم أن بعض الدموع لا تحتاج تفسيرًا، وبعض الصمت لا يعني تجاهلًا، بل عجزًا مؤقتًا عن التعبير.

هو أن يقول لها، دون إعلان: “يمكنك أن تكوني كما أنتِ… وأنا لن أنسحب لأنك لستِ في أفضل حالاتك”.

لكن هذا النوع من الاحتواء لا يولد تلقائيًا… بل يحتاج إلى رجل تصالح مع داخله أولًا. رجل لم يعد يرى في مشاعره تهديدًا، ولا في ضعف الآخر عبئًا. رجل أدرك أن الرجولة لا تُقاس بقدرته على التحمل فقط، بل بقدرته على أن يكون مساحة آمنة أيضًا.

وفي المقابل، الاحتواء الأنثوي في صورته الناضجة لا يعني أن تتحول المرأة إلى ملاذ دائم على حساب نفسها، بل أن تعرف كيف توازن بين القرب والحدود. أن تحتوي دون أن تُذيب الآخر فيها، وأن تدعمه دون أن تحمله بدلًا عنه.

هو أن تمنحه شعورًا بالأمان دون أن تُلغي استقلاله، وأن تفهم صمته دون أن تبرر غيابه، وأن تمنحه مساحة ليكون ضعيفًا للحظة دون أن تُعيد تعريفه بالكامل بناءً على هذه اللحظة.

وهنا، يتضح أن الاحتواء لا يمكن اختزاله في طرف واحد. العلاقة التي يُطلب فيها من طرف أن يحتوي باستمرار، تتحول تدريجيًا إلى علاقة غير متكافئة… طرف يُرهق من العطاء، وطرف يتعود على الأخذ دون وعي.

الاحتواء ليس مهمة تُوزع، بل طاقة تُبنى. لا ينتمي إلى الرجل وحده، ولا إلى المرأة وحدها، بل إلى مستوى النضج الذي يحمله كل منهما. لأن الإنسان لا يستطيع أن يمنح شعورًا لم يختبره، ولا أن يُتقن لغة لم يتعلمها.

الاحتواء في جوهره ليس ما تفعله، بل كيف ترى الآخر. هو تفسيرك لاندفاعه، قراءتك لصمته، صبرك على لحظات عدم اتزانه. هو قدرتك على أن تفصل بين الشخص وتصرفه، بين لحظة ضعفه وقيمته الحقيقية.

لكن الاحتواء لا يعني القبول المطلق، ولا الصبر غير المحدود. هناك خيط دقيق بين أن تحتوي، وأن تُهدر نفسك. بين أن تفهم، وأن تُبرر ما لا يُبرر. العلاقة الصحية لا تُبنى على التضحية المستمرة، بل على التبادل الواعي.

في النهاية، لا يبدو السؤال: هل الاحتواء فطرة أنثى أم مسؤولية رجل؟ كافيًا للإجابة. لأن الاحتواء ليس دورًا بيولوجيًا، ولا التزامًا اجتماعيًا، بل اختيار نابع من وعي.

هو أن تقرر أن تكون مكانًا آمنًا… لا لأنك مُجبر، بل لأنك قادر.

الاحتواء لا يُقاس بعدد المرات التي حاولت فيها إصلاح الآخر، بل بعدد المرات التي شعر فيها أنه ليس بحاجة لأن يُخفي نفسه أمامك.

لا يُقاس بالكلام الكثير، بل بالمساحة التي تتركها دون حكم.

ولا يُقاس بحجم التضحيات، بل بعمق الطمأنينة التي تخلقها.

الاحتواء، في أبسط تعريفاته، أن يشعر أحدهم أن وجوده معك لا يتطلب منه أن يكون شخصًا آخر.

وكل علاقة تخلو من هذا الشعور… مهما بدت مكتملة، يظل فيها جزء ناقص لا يُرى… لكنه يُحس.