أوضح الشيخ خالد الجندي، عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، خلال حلقة برنامج "لعلهم يفقهون" اليوم الأربعاء، أن استخدام القرآن الكريم للفظي "القرية" و"المدينة" يحمل دلالات سلوكية وأخلاقية عميقة تتجاوز المعنى اللغوي المباشر.
وأشار إلى أن كلمة "قرية" مشتقة لغوياً من "القِرى"، وهو ما يُعد للضيف من طعام وإكرام، حيث يُفترض بالقرية أن تضم كل ما يحتاجه الزائر من أمن ورفقة وضيافة، وهو ما يفسر استنكار القرآن للؤم أهل القرية في سورة الكهف الذين رفضوا ضيافة موسى والخضر عليهما السلام رغم كونه حقاً مشروعاً.
وأكد الجندي أن المتأمل في النص القرآني يجد لمسة بيانية واضحة، حيث يقترن لفظ "القرية" غالباً بسياقات الظلم، أو الكفر، أو الاعتداء، أو الهلاك كما في قوله تعالى "وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا".
فعلى سبيل المثال، يذكر القرآن "أصحاب القرية" في سورة يس في سياق التكذيب والعناد للمرسلين، بينما حين يظهر نموذج الإيمان والإصلاح في الشخص الذي جاء ليدعم الرسل، يتحول الوصف إلى "وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى"، ليدلل لفظ المدينة هنا على الراحة، والتوحيد، والعدل.
كما لفت إلى نموذج آخر من سورة الكهف، حيث وُصفت الجماعة التي منعت الضيافة بـ "أهل قرية" دلالة على لؤمهم وضياع الحقوق عندهم وغياب العدل.
ولكن عند الحديث عن الجدار وحفظ حقوق اليتامى، استخدم القرآن لفظ "المدينة" في قوله "فكان لغلامين يتيمين في المدينة"، مما يعكس ارتباط هذا اللفظ بوجود الخير والصلاح والحفاظ على الحقوق المادية والمعنوية للأفراد.
ويعتبر الجندي أن هذا الانتقال اللفظي يعكس خصوصية وتذوقاً بيانياً عالياً في النص القرآني يربط بين المصطلح والحالة الإيمانية والاجتماعية للمجتمع.
وأشار إلى أن اختيار الألفاظ في القرآن الكريم ليس عشوائياً، بل يحمل دلالات اجتماعية وأخلاقية دقيقة، تماماً كما يفرق القرآن في استخدامه بين "السنة" التي تأتي غالباً في سياق الشدة والجدب، و"العام" الذي يرتبط بالرخاء واليسر والخير الوفير.

