أثار مقطع فيديو متداول على مواقع التواصل الاجتماعي موجة واسعة من الجدل، بعد أن كشف عن واقعة غير مألوفة بطلتها طبيبة أسنان وحارس عقار، تحولت من خلاف بسيط حول “عمولة سمسرة” إلى أزمة قانونية تحمل في طياتها اتهامات بالتهديد والترهيب. وبين روايات متباينة، خرج محامي الطبيبة ليروي تفاصيل القصة الكاملة، كاشفًا عن كواليس ما جرى منذ لحظة شراء الشقة وحتى تصاعد الأحداث بشكل درامي.
بداية القصة.. شراء شقة يتحول إلى أزمة
قال محمد عبدالحليم، محامي الطبيبة، في تصريحات خاصة لـ صدي البلد، ان الواقعة بدأت بشكل طبيعي للغاية، عندما لجأت موكلته إليه لصياغة عقد شراء شقة سكنية. تم تحرير العقد داخل أحد البنوك، وبعدها توجهت الطبيبة برفقة والدتها والمحامي لاستلام الوحدة السكنية من البائع.
سارت الأمور في بدايتها بسلاسة، حيث تم الاتفاق على استكمال إجراءات نقل المرافق، مثل عداد الغاز، بين البائع والمشتري. ولم يكن هناك ما ينذر بوقوع أي خلاف، إلى أن ظهرت مفاجأة غير متوقعة قلبت المشهد بالكامل.
«20 ألف جنيه».. الشرارة الأولى
خلال تواجدهم في العقار، فوجئ المحامي بالبائع يقترح على الطبيبة الاحتفاظ بمبلغ 20 ألف جنيه داخل حقيبتها، على أن يطلبه منها لاحقًا أمام زوجة حارس العقار، بحجة تسليمه لها. هذا التصرف أثار استغراب الحاضرين، خاصة مع غياب أي مبرر واضح.
وعند استفسار المحامي عن سبب هذا الطلب، أوضح البائع أن الهدف هو «إرضاء» حارس العقار، واصفًا إياه بأنه شخص كثير المشاكل، وأن دفع هذا المبلغ قد يجنب الطبيبة أي مضايقات مستقبلية داخل العقار.
ورغم غرابة الموقف، لم يتوقع أحد أن تتطور الأمور إلى ما هو أخطر.
ظهور حارس العقار
بعد نزول الأطراف إلى أسفل العقار، وأثناء انشغال الطبيبة بإنهاء إجراءات المرافق، فوجئوا بحارس العقار يتدخل بشكل مباشر، متسائلًا عن المبلغ المذكور. وهنا بدأت الأزمة في التصاعد.
وفقًا لرواية المحامي، رفض الحارس فكرة حصوله على 20 ألف جنيه فقط، مطالبًا بالحصول على عمولة «2.5%» من قيمة الشقة، باعتبار نفسه سمسارًا في الصفقة، رغم عدم وجود أي اتفاق مسبق أو دور فعلي له في إتمام عملية البيع.
تهديدات صادمة وتصعيد خطير
لم يتوقف الأمر عند حدود المطالبة المالية، بل تطور بشكل مفاجئ إلى تهديدات صريحة، حيث أكد المحامي أن الحارس بدأ في توجيه عبارات تهديد للطبيبة، من بينها منعها من دخول شقتها، بل ووصل الأمر بحسب الفيديو إلى التلويح بالقتل والخطف.
أمام هذا التصعيد، اضطر المحامي إلى إخراج هاتفه المحمول وتصوير الواقعة، في محاولة لردع الحارس ومنع أي اعتداء محتمل، حيث ساهم التصوير في تهدئة الموقف نسبيًا، لكنه لم ينهِ الأزمة.
محاولة اعتداء وتدخل حاسم
أوضح عبدالحليم أن الحارس لم يكتفِ بالتهديدات، بل حاول العودة مرة أخرى للاعتداء على الطبيبة ومن معها، مما زاد من حدة التوتر، وهنا حدثت مشادة كلامية بين الطرفين، وسط حالة من الانفعال الشديد.
وأكد المحامي أن التصوير كان وسيلة دفاعية، خاصة بعد شعوره بأن الموقف قد يتطور إلى عنف جسدي، مشيرًا إلى أن الحارس لم يبدِ أي تراجع عن مطالبه، بل استمر في الإصرار على أحقيته في الحصول على عمولة.
أمام النيابة.. اعترافات تقلب الموازين
مع تصاعد الأزمة، تم تحرير محضر بالواقعة، لتصل القضية إلى جهات التحقيق. وهنا، جاءت المفاجأة الكبرى، حيث أقر حارس العقار بحسب المحامي بأنه لم يكن وسيطًا في عملية البيع، ولم يكن هناك أي اتفاق بينه وبين الطبيبة أو البائع.
كما اعترف بأنه يرى من حقه الحصول على عمولة باعتباره حارس العقار، وهو ما اعتبره المحامي دليلاً واضحًا على سوء فهم طبيعة مهنة السمسرة وحدودها القانونية.
علاقة سابقة تُسقط شبهة السمسرة
لفت المحامي إلى أن الطبيبة كانت على معرفة سابقة بالبائع، بحكم عملها في عيادة داخل نفس العقار، وأن جميع سكان المبنى تقريبًا يتعاملون معها، مما ينفي تمامًا الحاجة إلى وسيط عقاري.
كما أكد أن البائع نفسه نفى وجود أي اتفاق مع الحارس، مشيرًا إلى أن تصرفه بعرض مبلغ الـ20 ألف جنيه كان بدافع تجنب المشاكل فقط، وليس اعترافًا بأي حق قانوني للحارس.
تسلط هذه الواقعة الضوء على إشكالية أوسع تتعلق بانتشار ما يُعرف بـ “السمسرة غير المقننة”، حيث يمارس بعض الأفراد دور الوسيط دون أي ترخيص أو إطار قانوني.
وأوضح المحامي أن نسبة الـ2.5% التي يتم تداولها في السوق ليست قاعدة مطلقة، بل هي الحد الأقصى للعمولة في حالة المكاتب المرخصة، وبشرط وجود اتفاق مسبق بين الأطراف.
وأضاف أن هذه العمولة يتم تقسيمها عادة بين البائع والمشتري، ولا تُفرض بشكل عشوائي كما حدث في الواقعة، محذرًا من استغلال هذا المفهوم لابتزاز المواطنين.
تهديدات مستمرة بعد الواقعة
لم تنتهِ الأزمة عند هذا الحد، إذ كشف المحامي أن الحارس عاد للاتصال بالطبيبة، موجهًا لها تهديدات جديدة، من بينها الزج بها في قضايا قانونية إذا لم تدفع المبلغ المطلوب.
كما ذهب إلى مقر عملها، وهدد العاملين هناك، مطالبًا بالحصول على رقم هاتفها، ومكررًا تهديداته بالقتل والخطف، وهو ما زاد من خطورة الموقف وأكد ضرورة التدخل الأمني.
دعوات لتنظيم المهنة وضبط السوق
في ختام تصريحاته، شدد المحامي على ضرورة تدخل الجهات المعنية لتقنين أوضاع العاملين في مجال السمسرة، ووضع ضوابط واضحة لممارسة هذه المهنة، بما يحفظ حقوق جميع الأطراف.
كما دعا إلى تشديد الرقابة على مثل هذه الممارسات، خاصة في ظل ما وصفه بـ “الاقتصاد الموازي” الذي يعمل خارج إطار الدولة، دون رقابة أو ضرائب.
وأشار أيضًا إلى أهمية تسجيل بيانات حراس العقارات ومتابعة أوضاعهم، لضمان عدم تحول بعضهم إلى مصدر تهديد للسكان، مؤكدًا أن ما حدث لا يمكن اعتباره مجرد خلاف عابر، بل واقعة خطيرة تستدعي الحزم.
تكشف هذه الواقعة عن جانب معقد من التعاملات اليومية داخل سوق العقارات، حيث تختلط الأعراف الشعبية بالقوانين، مما يفتح الباب أمام ممارسات قد تصل إلى حد الابتزاز والتهديد. وبينما تنتظر القضية كلمة الفصل من جهات التحقيق، تبقى الرسالة الأهم هي ضرورة الوعي بالحقوق القانونية، وعدم الانسياق وراء مطالب غير مستندة إلى اتفاق واضح أو سند قانوني.