قال الدكتور علي جمعة مفتى الجمهورية الأسبق وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، انه قد وردت عن سيدنا رسول الله ﷺ أحاديث شديدة في التحذير من الخوارج وبيان خطرهم، وكان عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يقول في شأنهم: «إنهم انطلقوا إلى آياتٍ نزلت في الكفار، فجعلوها على المؤمنين».
وأشار إلى أن هذا هو أصل الانحراف في منهجهم؛ فقد أساؤوا فهم النصوص، وأنزلوها في غير مواضعها، فجعلوا المسلم الذي يصلي ويعبد الله كالكافر الجاحد، وساووا بين من يشهد أن لا إله إلا الله وبين فرعون وأمثاله من أهل الكفر والطغيان.
بداية انحراف الخوارج
وأشار إلى انه إذا كان هناك حاكم مسلم يصلي ويصوم، فلا يجوز أن يُنزَّل منزلة فرعون، ولا أن تُستباح الدماء أو تُنشأ الجماعات السرية بدعوى مقاومته أو الخروج عليه؛ لأن الخلل هنا ليس في الحكم على الأشخاص فحسب، بل في أصل فهم النصوص وتنزيلها.
وقد بدأ انحراف الخوارج من هذا الباب: باب إسقاط أحكام الكافرين على المؤمنين، ثم تراكمت الأخطاء بعد ذلك حتى انتهوا إلى ضلالٍ بعيد. فالخطأ في أول الطريق، إذا لم يُراجَع ويُصحَّح، قد يجر صاحبه إلى نتائج بعيدة عن الصواب، وإن بدت بعض خطواته في الظاهر مرتبة أو منطقية.
وهذا يوافق ما يُروى عن تولستوي من أن الخطأ في بداية الطريق لا يقف عند موضعه، بل يتسع أثره كلما امتد السير، وإن ظن صاحبه أن خطواته التالية صحيحة.
ويضرب الناس لذلك مثلًا بـ«جُبَّة الكاردينال»، وهي جُبَّة لها أزرار كثيرة؛ فإذا وُضع الزر الأول في العروة الثانية بدل الأولى، فإن كل زر بعده سيأتي في غير موضعه، مع أن من يضع الأزرار يظن أنه يسير على الترتيب الصحيح، لكن النتيجة في النهاية تكون جُبَّة مضطربة غير مستقيمة.
الانحراف فى الفهم
وهكذا شأن الانحراف في الفهم؛ يبدأ من مقدمة خاطئة، ثم تُبنى عليها نتائج كثيرة، فيزداد صاحبها بعدًا عن الحق كلما ظن أنه يتقدم في الطريق.
وتابع: ومثله كمثل رجل يريد الذهاب إلى الإسكندرية، فيذهب إلى محطة القطار، ثم يركب القطار الخطأ متجهًا جنوبًا بدل أن يتجه شمالًا، فينتهي به الطريق إلى أسوان. وكلما استمر في السير دون مراجعة، ازداد بعدًا عن مقصده، وصار رجوعه أشق؛ وهذا هو معنى الضلال البعيد.
ومن هنا كان الالتزام بالمنهج الصحيح في فهم النصوص وتنزيلها واجبًا عظيمًا؛ لأن الانحراف عن هذا المنهج يفتح باب التلاعب بفهم الدين، والاستهانة بضوابطه، واستباحة ما حرَّم الله باسم الدين.
واختتم منشوره بالدعاء قائلا: نسأل الله الهداية والثبات، ونعوذ به من الضلال بعد الهدى، ومن الزيغ بعد الاستقامة.



