خلف بريق الأضواء ولقب "أمير الغناء العربي"، عاش الفنان هاني شاكر حياةً لم تكن دائماً وردية كما رسمتها أغانيه الرومانسية.
ففي قلب هذا الفنان، سكن وجعٌ صامت، وقصة صبر طويلة بدأت فصولها القاسية في عام 2011، حين اختبره القدر في أغلى ما يملك؛ ابنته "دينا".
رحيل “دينا” الجرح الذي لم يجف
ولم يكن رحيل دينا شاكر، بعد صراع مرير مع المرض، مجرد حادث عابر في حياة الفنان الراحل هاني شاكر، بل كان "الزلزال" الذي أعاد صياغة إنسان.
ويذكر المقربون من هاني شاكر أنه لم يعد كما كان بعد تلك اللحظة؛ فالفنان الذي غنى للحب طوال عمره، وجد نفسه وجهاً لوجه أمام حقيقة الفقد المطلق.
ولقد كان "الرجل الذي غلبه الصبر"، حيث حاول التماسك من أجل أحفاده "مجدي ومليكة"، لكن عينيه كانت تفضحان سراً من الحزن لا تداويه سنوات الاعتزال ولا بريق العودة.
حين سكن "الوجع" حنجرة هاني شاكر
ويرى النقاد الموسيقيون أن نبرة صوت هاني شاكر شهدت تحولاً درامياً بعد هذه الأزمة الإنسانية. فلم يعد الشجن في صوته مجرد "أداء تمثيلي" لقصة حب فاشلة في أغنية، بل صار "أنيناً حقيقياً" يسكن بين الطبقات.
وباتت اختيارات الفنان الراحل الغنائية تميل أكثر نحو القصائد التي تحمل معاني الوداع، والشكوى من غدر الأيام.
كما ظهرت في صوته "بحة" لم تكن موجودة بوضوح من قبل، وهي البحة التي وصفها البعض بأنها "صوت الأب المنكسر" الذي يغني ليداوي روحه قبل أن يطرب جمهوره.
أغنيات برائحة الذكرى
ولم يغنِّ هاني شاكر لابنته مباشرة في كل أعماله، لكن روحها كانت حاضرة في كل "آه" يطلقها على المسرح.
وعندما أطلق أغنيته الشهيرة "برواز صورتك"، شعر الجمهور أن الكلمات تتجاوز حدود العاطفة التقليدية لتلمس تلك الصورة المعلقة في قلبه لابنته الراحلة.
وكان يهرب من الحزن بالعمل، ومن الانكسار بالوقوف على المسرح، لكنه في كل مرة كان يعود فيها لبيته، يخلع رداء "الأمير" ليبقى "الأب" الذي لم يكف يوماً عن الدعاء لابنته، والذي تحولت أحزانه الشخصية إلى إرث فني يواسي كل من ذاق لوعة الفراق.
الصبر كمنهج حياة
واتسم هاني شاكر بلقب "الفنان الملتزم"، لكن الالتزام الحقيقي كان في قدرته على الحفاظ على وقاره الفني وسط أعاصير الحزن.
ولم يتاجر أمير الغناء العربي بآلامه، بل حاول تجاوز كل ذلك، ليقدم لنا نموذجاً للفنان الذي "غلبه الصبر" بسبب الحزن الحزن، فاستحق أن يخلده الجمهور كرمز للرقي الإنساني والفني معاً.
ورحل هاني شاكر، ليلتقي أخيراً بـ "دينا"، تاركاً خلفه حكايات عن فنان علّمنا كيف يكون الحزن نبيلاً، وكيف يتحول الصبر إلى صوتٍ يعيش للأبد.
بديل “عبد الحليم حافظ”
وكانت بدأت الرحلة في أوائل السبعينيات، حين كان الوسط الفني يبحث عن بديل لـ "عبد الحليم حافظ". وبدلاً من أن يسقط في فخ التقليد، اختار هاني شاكر أن يكون "هو".
وبدعم من الموسيقار محمد الموجي في "حلوة يا دنيا"، انطلق ليشكل وجداناً خاصاً؛ وجدان يجمع بين الرومانسية الحالمة وبين "الشجن النبيل".
فكانت "يا ريتني" و"غلطة" و"نسيانك صعب أكيد" محطات لمست شغاف القلوب وأثبتت أن الشجن يمكن أن يكون راقياً.
وفي حياة هاني شاكر، كانت "دينا" هي اللحن الذي انقطع قبل أوانه. فلم يكن رحيل ابنته في ريعان شبابها عام 2011 مجرد أزمة أسرية، بل كان "الشرخ" الذي سكن حنجرته.
وتحولت "بحة" صوته من مهارة فنية إلى أنين إنساني صادق، وأصبح "الرجل الذي غلبه الصبر" نموذجاً للأب الذي يداوي جرحه بالعمل، وللفنان الذي يرفض المتاجرة بدموعه، مفضلاً أن يسكبها في ألحانٍ تواسي الفاقدين.



