أكدت ريناتا ديلجادو من مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، خلال جلسة متخصصة حول “التعامل مع الدليل الإلكتروني في ضوء التشريعات المقارنة، أن واحدة من أكبر الإشكاليات التي تواجه سلطات إنفاذ القانون حول العالم تتمثل في امتناع العديد من شركات التكنولوجيا عن الإفصاح عن البيانات، حتى في ظل وجود أوامر قضائية، بسبب تعقيدات قانونية تتعلق بالولاية القضائية وموقع تخزين البيانات وحقوق الخصوصية.
الشركات بين تخزين البيانات وبيعها ورفض التعاون القضائي
أوضحت ديلجادو فى الندوة النقاشية لقضاة محكمة النقض بشأن مقبولية الدليل الرقمي في قضايا العنف السيبراني المرتكبة ضد النساء والفتيات، أن عددا كبيرا من الشركات العالمية لا يكتفي بتخزين البيانات، بل يقوم بتحليلها وبيعها لأغراض تجارية، لافتة إلى أن هذا الواقع يخلق فجوة خطيرة بين تطور الجريمة الإلكترونية وسرعة استجابة الأطر القانونية التقليدية.
قانون CLOUD الأمريكي بديل عملي لاتفاقيات المساعدة القانونية
استعرضت الجلسة تجربة CLOUD Act الذي أقره الكونجرس الأمريكي عام 2018، ويعد تحولا مهما في آلية الوصول إلى البيانات المخزنة خارج الحدود.
يسمح القانون للدول الأجنبية، بموجب اتفاقيات ثنائية، بطلب البيانات مباشرة من مزودي الخدمة الأمريكيين في إطار التحقيقات الجنائية، دون المرور بإجراءات المساعدة القانونية المطولة وتشمل الدول المستفيدة حاليا أستراليا، كندا، المملكة المتحدة، والاتحاد الأوروبي.
ومن أبرز شروط هذه الاتفاقيات:
-الالتزام الصارم بمعايير الخصوصية وحقوق الإنسان
-أن تكون الطلبات محددة وتجنب جمع البيانات على نطاق واسع
-إزالة تضارب القوانين بين الدولتين
-منح مزودي الخدمة حق الطعن في الطلبات
-قصر استخدام البيانات على الجرائم الخطيرة فقط
مبدأ “موقع البيانات” يتغلب على موقع الشركة
والقت ديلجادو الضوء علي قضية شهيرة بين بلجيكا وشركة Yahoo، حيث طلب المدعون بيانات تسجيل كاملة لسبعة حسابات بريد إلكتروني رفضت السركة بحجة عدم وجود كيان قانوني لها داخل بلجيكا وأن البيانات تدار خارجها غير أن القضاء البلجيكي أرسى مبدأ مهماً عُرف بـ«موقع البيانات»، مؤداه أن تقديم الخدمة داخل بلجيكا، وإمكانية تبادل البيانات فيها، يكفيان لإخضاع الشركة للاختصاص القضائي البلجيكي، حتى في غياب مقر فعلي كما اعتبر القاضي أن تكييف الإعلانات واللغة حسب موقع المستخدم دليل على ممارسة النشاط داخل الإقليم.
التشفير واختراق الشبكات الإجرامية
تطرقت الجلسة إلى التحديات القانونية المتعلقة بقبول الأدلة المستخرجة عبر اختراق شبكات اتصالات مشفرة لمنظمات إجرامية.
نحو معايير موحدة للأدلة الرقمية عبر الحدود
خلصت الجلسة إلى ضرورة وضع معايير موحدة تنظم إجراءات جمع وتحليل وتقديم الأدلة الرقمية أمام القضاء، مع تطوير تفسيرات قانونية حديثة تربط بين الأشخاص والبيانات، وتسمح بامتداد الإجراءات القضائية إلى ما وراء الحدود المادية للدول.
كما شددت التوصيات على أهمية التعاون الدولي لمنع تحول بعض الدول إلى “ملاذات تكنولوجية آمنة” تستضيف البيانات بعيداً عن متناول العدالة، والعمل المشترك بين الحكومات ومزودي الخدمات الرقمية لضمان تحقيق التوازن بين الخصوصية وإنفاذ القانون.



