قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

وائل الغول يكتب: بين الدين والسياسة.. سيكولوجيا سموتريتش

وائل الغول
وائل الغول

هل يمكن لوزير في حكومة حديثة أن يتحدث عن إعادة رسم حدود دول بأكملها، كما لو كان يعيد ترتيب خريطة داخل كتاب تاريخ؟

أم أن ما نسمعه يتعلق برؤية لا تعترف بالحدود؟

رؤية متكاملة

تصريحات بتسلئيل سموتريتش، التي ربط فيها نهاية الحرب بإعادة تشكيل حدود إسرائيل في غزة والضفة ولبنان وسوريا، لا تبدو مجرد خطاب يمين متشدد، بل تكشف عن توجه يحكم إسرائيل حاليًا، ويسعى لتأسيس مشروع توسعي بأبعاد أيديولوجية.

في أكثر من مناسبة، قدّم رؤية تتجاوز الخطاب العسكري التقليدي:

نهاية الحرب يجب أن تقود إلى تغيير الحدود، والمعيار ليس عدد القتلى بل مستوى السيطرة على الأرض، ومنطق إدارة الصراع لا يُقاس بالتهدئة بل بإعادة تشكيل الوقائع.

حتى في أكثر تصريحاته صدمة—حين قال إن ابنه يريد جزءًا من لبنان لتدميره لاحقًا، فأجابه بأن “هناك ما يكفي للجميع”—لا تبدو المفارقة فقط في الحدّة، بل في أن هذا كله يُطرح كمسار طبيعي، لا كاستثناء.

من هو سموتريتش؟

وُلد عام 1980 داخل بيئة دينية تعتبر استيطان الأرض واجبًا مرتبطًا بوعد إلهي مطلق.

والده حاخام، ودرس في “مركز هاراف”، أحد أبرز معاقل الصهيونية الدينية المسيحانية، حيث تُقدَّم “العودة إلى الأرض” كجزء من مسار خلاص تاريخي.

أسّس منظمة “ريغافيم”، واعتُقل عام 2005 خلال الاحتجاج على الانسحاب من غزة.

ثم صعد سياسيًا ليقود حزب “الصهيونية الدينية” ويصبح لاعبًا مؤثرًا داخل ائتلاف بنيامين نتنياهو.

لكن الأهم من كل ذلك ليس موقعه… بل طريقة إدراكه للعالم.

كيف ينظر للعالم؟

لا يرى سموتريتش الصراع 
سياسيًا، بل وجوديًا دينيًا.

الأرض من “النهر إلى البحر” 
وعد إلهي، وامتداده في تصورات أوسع يصل إلى “مسار مكتوب” يتجاوز حدود الدولة الحالية.

في هذا الإطار، لا تُقرأ التوراة ط، بل كـ”خريطة سيادية ممتدة”، تُنتج تصورًا للعالم لا تقوم على وعد إلهي مفتوح على الزمن.

في سفر التكوين (15: 18-21) يظهر ما يُعرف بـ”الوعد الإبراهيمي”، حيث تُمنح الأرض “من نهر مصر إلى النهر الكبير الفرات”، وتشمل مناطق واسعة تمتد عبر فلسطين التاريخية، ولبنان، وسوريا، والأردن، وأجزاء من العراق وسيناء.

داخل التيار الصهيوني الديني، لا يُفهم هذا النص كحدث ماضٍ، بل كـ”عهد مستمر” لم يكتمل بعد، أي أن الجغرافيا هنا ليست حدودًا نهائية، بل وعدًا تاريخيًا مؤجل التنفيذ.

ويُعاد تثبيت هذا المنطق في نصوص أخرى مثل الخروج (23: 31) والتثنية (11: 24)، حيث تُرسم حدود تمتد “من البحر إلى النهر”، مع خطاب صريح عن طرد السكان وتمكين السيطرة.

وفي سفر العدد (34: 1-12) يتم تحديد ما يُعرف بأرض كنعان، والتي تشمل أجزاء من الضفة الغربية وغزة والجليل والجولان، لكنها في التفسير الديني القومي لا تمثل النهاية، بل الحد الأدنى داخل مشروع أكبر.

هنا يحدث التحول الحاسم:

الأرض لم تعد “جغرافيا متنازعًا عليها”، بل “وعدًا غير مكتمل”.. والتاريخ يصبح مسارًا مكتوبًا مسبقًا.

والسياسة لم تعد إدارة مصالح، بل محاولة لتسريع تحقق نص مقدس.

نمط أيدلوجي

لا يمكن قراءة شخصية سموتريتش كحالة فردية، بل كنمط أيديولوجي–نفسي مركب.

اليقين العقائدي المغلق:

العالم يُختزل إلى ثنائية، حق مطلق مقابل باطل وجودي.

لا مساحة وسط، ولا إمكانية تسوية، لأن التنازل يُفهم كخيانة للحقيقة.

السياسة كأداة خلاص:

تتحول السياسة إلى امتداد لمسار ديني، وأداة لتطبيق "وعد إلهي"، لا إدارة مصالح.

وبذلك القرار السياسي يصبح تنفيذًا لرؤية مستقبلية مؤمنة سلفًا.

اندماج الهوية بالمشروع:

الأرض ليست مجرد هدف، بل جزء من الذات.

لذلك، أي تراجع يُفهم كفقدان للهوية.

العدو كفكرة… لا كطرف:

يُعاد تعريف الخصم كعائق وجودي، لا كشريك سياسي.

وهنا تبدأ عملية نزع الإنسانية عن الطرف الآخر.

نزع الإنسانية كمدخل لإدارة 
الصراع:

حين يتحول الآخر إلى “مشكلة”، يصبح العنف قابلًا للتبرير، والخسائر قابلة للاحتواء، ضمن خطاب يرى نفسه في مواجهة تهديد دائم.

البراغماتية في خدمة العقيدة:

لا يتحرك هذا النمط بعشوائية، بل ببراغماتية واضحة.

يستخدم القانون، والإدارة، والمؤسسات، لتحقيق أهدافه.

“إسرائيل الكبرى”… من شعار إلى منطق

داخل هذا النسق، لا تظهر 
“إسرائيل الكبرى” كشعار، بل كنتيجة طبيعية.

إذا كانت الأرض مقدسة، والتاريخ مكتوب مسبقا، والحرب أداة… يصبح الاحتلال مبررا والتوسع حتميًا.

مشروع إسرائيل الكبرى لغ يطرح كخطة واحدة، بل 
يتحرك عبر طبقات:

تثبيت السيطرة، إعادة تعريف الحدود، توسيع النفوذ، تحويل الواقع إلى قانون، إعادة تفسير الواقع كسياق طبيعي، ثم يُعاد تقديمه كحقيقة.

وهنا تكمن الخطورة: ما يقوله سموتريتش ليس مجرد خطاب متشدد، بل ترجمة لبنية نفسية ترى نفسها جزءًا من مسار مقدّس.

وإذا كانت الجغرافيا تُفهم كعقيدة، والحرب كأداة لإعادة تشكيلها…لا تصبح “إسرائيل الكبرى” خيارًا… بل مسار إلهي محسوم.

ويبقى السؤال الأبرز: هل بدأ فعليا تطبيق سيناريو إسرائيل الكبرى في صمت؟