يرتبط اختيار موقع المسجد الحرام في مكة بعهد النبي إبراهيم عليه السلام وقصة بناء الكعبة، حيث يقع المسجد ضمن وادي إبراهيم الذي تشكل طبيعياً كوادٍ ضيق بين جبال صلبة، مما جعله ممرًا للقوافل التجارية.
يذكر أن المسجد الحرام، يشهد استعدادات مكثفة لاستقبال ضيوف الرحمن من مختلف دول العالم في موسم الحج 2026، وسط منظومة تشغيلية متكاملة تهدف إلى تسهيل أداء الشعائر وتوفير أعلى مستويات الراحة والخدمات لقاصدي بيت الله الحرام.
لماذا يقع المسجد الحرام في قلب وادي مكة؟
وقد أشارت الآية الكريمة في قول الله تعالى "رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ"، حيث تدل الآية على نشأة مكة المكرمة بين الجبال منذ عهد النبي إبراهيم حين ترك زوجته هاجر وابنه إسماعيل عليهما السلام في هذا المكان.
وتظهر مكة ، ويقع المسجد الحرام في نطاق وادي إبراهيم داخل وادٍ تحيط به المرتفعات تحيط بها جبال بارزة، من بينها جبل أبي قبيس شرقًا، وجبل قعيقعان غربًا، إلى جانب جبل النور وجبل ثور.
وقد ذكرت موسوعة المملكة العربية السعودية الصادرة عن مكتبة الملك عبدالعزيز العامة، أن مكة تقع ضمن نطاق الدرع العربي، وهو من أقدم التكوينات الجيولوجية في غرب الجزيرة العربية، ويتكوّن من صخور نارية قديمة، منها الجرانيت، ومع تشكّل هذا الوادي أصبح الموقع ممرًا طبيعيًا للقوافل التجارية التي كانت تعبر الجزيرة العربية قديمًا.
قصة بناء الكعبة
الكعبة المشرفة هي قبلة المسلمين الموحدة التي تتجه إليها أنظارهم في كافة بقاع الأرض حتى قيام الساعة، وذلك امتثالاً للأمر الإلهي:"وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ "، وقوله جل شأنه:" ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ".
ويشير المولى تبارك وتعالى إلى مكانتها بقوله: "إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ. {آل عمران: 96}، قال ابن كثير: أول بيت وُضع للناس، أي: لعموم الناس، لعبادتهم ونُسُكهم، يَطُوفون به ويُصلُّون إليه ويَعتكِفُون عنده ... مُبَارَكًا } أي وُضع مباركا { وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ }.
وقد خلق الله هذا البيت المبارك فإن الله تعالى خلقه لحكم عظيمة منها ما جاء في قوله تعالى: “جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ ...” {المائدة:97}، يقول السعدي في تفسير هذه الآية: يقوم بالقيام بتعظيمه دينُهم ودنياهم، فبذلك يتم إسلامهم، وبه تحط أوزارهم، وتحصل لهم - بقصده - العطايا الجزيلة، والإحسان الكثير، وبسببه تنفق الأموال، وتتقحم من أجله الأهوال ويجتمع فيه من كل فج عميق جميع أجناس المسلمين، فيتعارفون ويستعين بعضهم ببعض، ويتشاورون على المصالح العامة، وتنعقد بينهم الروابط في مصالحهم الدينية والدنيوية. اهـ.
وقد جعلها الله تعالى آمنا للناس ومجتمعا لهم قال تعالى :“وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا...”{البقرة:125}، أي: مرجعا يثوبون إليه، لحصول منافعهم الدينية والدنيوية، يترددون إليه، ولا يقضون منه وطرا، و{ أَمْنًا }. يأمن به كل أحد، حتى الوحش، وحتى الجمادات كالأشجار.
وجاء في قصة بناء الكعبة أنه قد بنى الخليل إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، قواعدها كما بين ذلك المولى تبارك وتعالى في قوله سبحانه: “وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم”، وقيل أنهما قاما بالرفع على بناء الملائكة الذي كان قبل خلق آدم عليه السلام وجاء الطوفان ليمحو معالمها.
وحينما يأتي ذكرى ليلة النصف من شعبان يستعيد المسلمون الحديث عن تحويل القبلة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام، وهو أمر جاء لرغبة خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم يقول الله تبارك وتعالى: “قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ”.
ويجب على كل مسلم أن يتخذ الكعبة قِبلةً، ولعل من الحكمة في أمر الله بذلك أنها قبلة أبينا إبراهيم عليه السلام، كما أنها القبلة التي ارتضاها الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، لذا لا يجوز مخالفة الأمر الإلهي.
الحكمة من بناء الكعبة
وفي خواطره حول قول المولى تبارك وتعالى:{قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (144)}، يقول إمام الدعاة الشيخ محمد متولي الشعراوي:نحن نعلم أن (قد) للتحقيق.. و(نرى).. فعل مضارع مما يدل على أن الحدث في زمن التكلم.. الحق سبحانه وتعالى يعطينا صورة لرسول الله صلى الله عليه وسلم.. أنه يحب ويشتاق أن يتجه إلى الكعبة بدلا من بيت المقدس.. وكان عليه الصلاة والسلام قد اعتاد أن يأتيه الوحي من علو.. فكأنه صلى الله عليه وسلم كان يتجه ببصره إلى السماء مكان إيتاء الوحي.. ولا يأتي ذلك إلا إذا كان قبله متعلقا بأن يأتيه الوحي بتغيير القبلة.. فكأن هذا أمر شغله.
ويكمل: إن الله سبحانه يحيط رسوله صلى الله عليه وسلم بأنه قد رأى تقلب وجه رسوله الكريم في السماء وأجابه ليتجه إلى القبلة التي يرضاها.. فهل معنى ذلك أن القبلة التي كان عليها الرسول صلى الله عليه وسلم وهي بيت المقدس لم يكن راضيا عنها؟ نقول لا.. وإنما الرضا دائما يتعلق بالعاطفة، وهناك فرق بين حب العاطفة وحب العقل.. ولذلك لا يقول أحد إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن راضيا عن قبلة بيت المقدس.. وإنما كان يتجه إلى بيت المقدس وفي قلبه عاطفة تتجه إلى الكعبة.. هذا يدل على الطاعة والالتزام.
وتابع: الله يقول لرسوله عليه الصلاة والسلام: {فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا} أي تحبها بعاطفتك.. ورسول الله عليه الصلاة والسلام كان يتطلع إلى هذا التغيير، فكأن عواطفه صلى الله عليه وسلم اتجهت لتضع مقدمات التحويل.
وحول المراد بقول الله تعالى: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجد الحرام}.. يقول الشعراوي: والمراد بالوجه هو الذات كلها وكلمة شطر معناها الجهة، والشطر معناه النصف.. وكلا المعنيين صحيح لأنه حين يوجد الإنسان في مكان يصبح مركزاً لدائرة ينتهي بشيء اسمه الأفق وهو مدى البصر.. وما يخيل إليك عنده أن السماء انطبقت على الأرض.
وقوله تعالى: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجد الحرام}.. أي اجعل وجهك جهة المسجد الحرام أو اجعل المسجد الحرام في نصف الدائرة التي أمامك.. وفي الزمن الماضي كانت العبادات تتم في أماكن خاصة.. إلى أن جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل الله له الأرض كلها مسجدا، موضحاً أن المسجد هو مكان السجود ونظراً لأن السجود هو منتهى الخضوع لله فسمي المكان الذي نصلي فيه مسجدا، ولكن هناك فرق بين مكان تسجد فيه ومكان تجعله مقصوراً على الصلاة لله ولا تزاول فيه شيئا آخر. المسجد مخصص للصلاة والعبادة، أما المكان الذي تسجد فيه وتزاول حركة حياتك فلا يسمى مسجداً إلا ساعة تسجد فيه.. والكعبة بيت الله. باختيار الله. وجميع مساجد الأرض بيوت الله باختيار خلق الله، ولذلك كان بيت الله باختيار الله قبلة لبيوت الله باختيار خلق الله.
وأما قوله تعالى: {وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ} أي: أينما كنتم.. {فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ}.. لأن الآية نزلت وهم في مسجد بني سلمة بالمدينة فتحول المسلمون إلى المسجد الحرام.. وحتى لا يعتقد أحد أن التحويل في هذا المسجد فقط وفى الوقت الذي نزلت فيه الآية فقط قال تعالى: {وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ}.
وقوله جل جلاله: {وَإِنَّ الذين أُوتُواْ الكتاب لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الحق مِن رَّبِّهِمْ وَمَا الله بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ}.. أي أن الذين أوتوا الكتاب ويحاولون التشكيك في اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم.. يعلمون أن رسول الله هو الرسول الخاتم ويعرفون أوصافه التي ذكرت في التوراة والإنجيل.. ويعلمون أنه صاحب القبلتين.. ولو لم يتجه الرسول صلى الله عليه وسلم من بيت المقدس إلى الكعبة.. لقالوا إن التوراة والإنجيل تقولان إن الرسول الخاتم محمداً صلى الله عليه وسلم يصلي إلى قبلتين فلماذا لم تتحقق؟ ولكان هذا أدعى إلى التشكيك.
وشدد على أن الذين أوتوا الكتاب يعلمون أنه الحق من ربهم، لأنه في التوراة أن الرسول الذي سيجيء وسيتجه إلى بيت المقدس ثم يتجه إلى البيت الحرام.. فكأن هذا التحويل بالنسبة لأهل الكتاب تثبيت لإيمانهم بالرسول عليه الصلاة والسلام وليس سببا في زعزعة اليقين، وقوله تعالى: {وَمَا الله بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ}.. يريد الحق تبارك وتعالى أن يطمئن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تشكيكهم لا يقدم ولا يؤخر.. فموقفهم ليس لطلب الحجة ولكن للمكابرة.. فهم لا يريدون حجة ولا دليلا إيمانياً.. ولكنهم يريدون المكابرة.

