قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

أحمد الأشعل يكتب: مصر الكبيرة.. حين تصمت الدول وتتحدث المواقف

أحمد الأشعل
أحمد الأشعل

في أوقاتٍ كثيرة من عمر الأوطان، لا يكون الصمت ضعفًا، ولا يكون الترفع عن الرد عجزًا، بل يكون أحيانًا أبلغ من ألف خطاب، وأقوى من آلاف الكلمات.

وهكذا كانت مصر دائمًا… دولة تعرف جيدًا متى تتحدث، ومتى تترك للتاريخ مهمة كشف الحقائق.

ربما سيأتي يومٌ نحكي فيه لأبنائنا وأحفادنا أن هذه المرحلة لم تكن سهلة كما ظن البعض، وأن المنطقة كانت تمر بعواصف سياسية واقتصادية وأمنية غير مسبوقة، وأن دولًا كثيرة كانت تتغير مواقفها كل يوم، بينما بقيت مصر واقفة بثباتٍ يعرفه جيدًا من يفهم معنى الدولة الحقيقية.

سنحكي لهم أن مصر لم تكن يومًا دولة تبحث عن ضجيجٍ إعلامي، ولا عن بطولاتٍ مصنوعة أمام الكاميرات، بل كانت تتحرك دائمًا بعقل الدولة التي تدرك أن استقرار المنطقة مسؤولية، وأن الحفاظ على الأوطان لا يكون بالشعارات، بل بالصبر، والحكمة، وتحمل ما لا يراه الناس.

في زمنٍ أصبحت فيه بعض العلاقات تُدار بمنطق المصالح المؤقتة، بقيت مصر تنظر إلى محيطها العربي باعتباره امتدادًا طبيعيًا لأمنها القومي، وإلى أشقائها باعتبارهم جزءًا من معركة البقاء والاستقرار في منطقة لا ترحم الضعفاء ولا المترددين.

تحملت مصر كثيرًا من الصغائر، وتجاوزت الكثير من الإساءة والضجيج، لأنها كانت تعرف أن الدول الكبيرة لا تقف عند الكلمات العابرة، ولا تنشغل بالمهاترات، بل تنظر دائمًا إلى الصورة الأكبر… إلى مستقبل شعوبٍ كاملة، وإلى مصير منطقة بأكملها.

هناك أشياء لا تُقال في نشرات الأخبار، ولا تظهر في البيانات الرسمية، ولا يعرفها كثيرون خلف الشاشات.

هناك مواقف تُدار بصمت، وتحركات تُبذل فيها جهود هائلة حتى تبقى الأوطان واقفة، وحتى لا تسقط المنطقة في فوضى كان يمكن أن تحرق الجميع بلا استثناء.

مصر لم تكن يومًا دولة تبحث عن مقابل لما تفعله، ولم تنتظر تصفيقًا أو امتنانًا، لأنها ببساطة تدرك أن قيمة الدول لا تُقاس بحجم ما تقوله، بل بحجم ما تتحمله من أجل حماية استقرارها واستقرار محيطها.

ولأنها دولة كبيرة… كانت دائمًا تتحمل أكثر مما يُعلن، وتصبر أكثر مما يتخيل البعض، وتتنازل أحيانًا عن حق الرد لأن الحفاظ على الدولة أهم من الدخول في معارك صغيرة لا تليق بتاريخها ولا بمكانتها.

وربما لهذا السبب تحديدًا، لم يفهم البعض صمت مصر أحيانًا، فظنه ضعفًا، بينما كان في الحقيقة حكمة دولة تعرف جيدًا متى تتجاوز، ومتى تصمت، ومتى تتحرك، ومتى يكون الصبر جزءًا من معركة أكبر لحماية وطنٍ وأمة بأكملها.

سيأتي يومٌ تُكشف فيه الكثير من التفاصيل، وندرك فيه أن ما جرى خلف الكواليس كان أعظم بكثير مما رأيناه على السطح، وأن مواقف مصر لم تكن يومًا مواقف انفعال، بل مواقف دولة تحملت ما لا تتحمله دول كثيرة، فقط لأنها تعرف حجمها الحقيقي، وتفهم معنى المسؤولية التاريخية.

التاريخ لا يتوقف طويلًا أمام الضجيج، لكنه يحفظ جيدًا أسماء الدول التي وقفت وقت الشدة، وتحملت من أجل الآخرين، وحافظت على أخلاقها وهي قوية، وعلى كرامتها وهي صابرة، وعلى ثوابتها وسط عالم يتغير بسرعة وقسوة.

ولهذا…

ربما سيأتي يوم نقول فيه بكل وضوح:

وجب عليكم الاعتذار لمصر الكبيرة… لأن ما تحملته أكثر مما تعلمونه، وما خفي من المواقف كان أعظم بكثير مما ظهر، ولأنها في أصعب اللحظات اختارت دائمًا أن تكون دولة بحجم التاريخ… لا بحجم اللحظة.