تحل علينا اليوم ذكرى رحيل الفنانة وردة الجزائرية، واحدة من أهم وأعذب الأصوات في تاريخ الغناء العربي، والتي رحلت عن عالمنا في 17 مايو عام 2012 بعد رحلة فنية طويلة حفرت خلالها اسمها بحروف من ذهب في ذاكرة الجمهور العربي، وقدمت إرثًا فنيًا ضخمًا تعاونت فيه مع كبار الملحنين والشعراء في مصر والوطن العربي.
ولدت وردة، واسمها الحقيقي وردة فتوكي، يوم 22 يوليو عام 1939 في فرنسا، لأب جزائري وأم لبنانية ، عاشت طفولتها في فرنسا داخل أجواء فنية، حيث كان والدها يمتلك ناديًا فنيًا كانت تُقام فيه السهرات الغنائية، وهناك بدأت موهبتها تظهر مبكرًا وهي لم تتجاوز العاشرة من عمرها.
كان يشرف على تعليمها الغناء المطرب التونسي الراحل الصادق ثريا، الذي آمن بموهبتها وقدّم لها الدعم الفني في بداياتها، حتى أصبحت تمتلك فقرة غنائية خاصة بها داخل نادي والدها، وكانت تقدم خلالها أغنيات لكبار نجوم الطرب مثل أم كلثوم وأسمهان ومحمد عبد الوهاب وعبد الحليم حافظ، قبل أن تبدأ في تقديم أغنيات خاصة بها من ألحان الصادق ثريا.
عادت وردة مع والدتها إلى لبنان، وهناك بدأت خطواتها الحقيقية نحو الاحتراف، وقدمت عددًا من الأغنيات الخاصة التي لاقت نجاحًا كبيرًا، لتلفت الأنظار إلى صوتها المختلف وإحساسها المميز، قبل أن تنتقل إلى مصر عام 1960 بدعوة من المنتج والمخرج حلمي رفلة، الذي قدمها في أولى بطولاتها السينمائية من خلال فيلم "ألمظ وعبده الحامولي"، ليكون بداية انطلاقتها القوية في القاهرة.
شاركت بمقطع غنائي في أوبريت "الوطن الأكبر"، أحد أهم الأعمال الوطنية في تاريخ الغناء العربي، لتقف إلى جانب كبار المطربين في ذلك الوقت.
تزوجت من الدبلوماسي الجزائري جمال قصيري، ثم اعتزلت وردة الغناء لعدة سنوات بعد زواجها، وأنجبت طفليها “رياض” و”وداد”، وكان اسم ابنها رياض تيمنًا بالموسيقار الكبير رياض السنباطي، وخلال تلك الفترة كرست حياتها لأسرتها، لكنها ظلت تشعر بالحنين إلى الفن والغناء.
وفي عام 1972،قدمت أغنية “عدنا إليك يا جزائرنا الحبيبة” من كلمات الشاعر صالح خرفي وألحان الموسيقار العبقري بليغ حمدي، لتعود من جديد إلى الساحة الفنية بقوة.
بعد عودتها للفن انفصلت عن زوجها، خاصة بعدما رفض اصطحاب أبنائها معها إلى مصر، وكانت تعيش حالة من المعاناة بسبب اضطرارها للسفر باستمرار إلى الجزائر لرؤيتهم، حتى بعد زواجها من الموسيقار الكبير بليغ حمدي، الذي ارتبطت به في واحدة من أشهر قصص الحب الفنية، وقدم لها خلال فترة زواجهما مجموعة من أهم وأجمل أغانيها التي لا تزال خالدة حتى اليوم.
ورغم انفصال وردة وبليغ حمدي عام 1979، فإن التعاون الفني بينهما استمر، وظل بليغ الأقرب إلى صوتها والأكثر فهمًا لمناطقه وإحساسه، وقدمت معه أعمالًا تعتبر من علامات الغناء العربي.
وكانت أغنية "أوقاتي بتحلو" واحدة من أهم المحطات في مشوارها الفني، إذ أطلقتها عام 1979 من ألحان سيد مكاوي، بعدما كانت الأغنية في الأصل مُخصصة لكوكب الشرق أم كلثوم قبل رحيلها، لتتحول بصوت وردة إلى واحدة من أشهر أغاني الطرب العربي.
تعاونت وردة خلال مسيرتها مع كبار الملحنين، من بينهم محمد عبد الوهاب، وفريد الأطرش، ورياض السنباطي، ومحمد الموجي، وسيد مكاوي، وكمال الطويل، وعمار الشريعي، وحلمي بكر، كما قدمت من ألحان صلاح الشرنوبي واحدة من أشهر أغنياتها "بتونس بيك".
ولم تقتصر موهبة وردة على الغناء فقط، بل تركت أيضًا رصيدًا سينمائيًا مميزًا بلغ ستة أفلام، أثبتت خلالها موهبتها في التمثيل، وهي "ألمظ وعبده الحامولي" عام 1962، و"أميرة العرب" عام 1964، و"صوت الحب" عام 1973، و"حكايتي مع الزمان" عام 1973، و"آه يا ليل يا زمن" عام 1977، و"ليه يا دنيا" عام 1994 .
وأشاد النقاد بأدائها التمثيلي، خاصة في فيلمي “حكايتي مع الزمان” و”آه يا ليل يا زمن” أمام الفنان رشدي أباظة، حيث استطاعت أن تقدم أداءً صادقًا ومؤثرًا، إلى جانب تألقها الغنائي داخل الأعمال السينمائية.
وفي سنواتها الأخيرة، عانت وردة من مشاكل صحية خطيرة في الكبد، خضعت لعملية زرع كبد في مستشفى بفرنسا عام 2001 ، ونجحت العملية بعدما أكد الأطباء أن جسدها تقبل الكبد الجديد بشكل طبيعي، لتستعيد بعدها نشاطها وتعود إلى الغناء من جديد.
وفي 17 مايو عام 2012، رحلت وردة الجزائرية عن عالمنا داخل منزلها في القاهرة إثر أزمة قلبية عن عمر ناهز 73 عامًا، لتُطوى صفحة واحدة من أهم نجمات الغناء العربي، بينما بقي صوتها حاضرًا في وجدان الملايين.
ونُقل جثمانها إلى الجزائر وكان في استقبالها عدد كبير من الشخصيات السياسية والفنية، وسط حالة حزن كبيرة من جمهورها ومحبيها في الوطن العربي.
ورغم رحيلها، ما زالت وردة الجزائرية تحتفظ بمكانة خاصة لدى عشاق الطرب الأصيل، بصوتها الدافئ وإحساسها الصادق وأغانيها التي لا تزال تعيش حتى اليوم، لتبقى واحدة من أبرز أيقونات الغناء العربي عبر التاريخ.