قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

نجاة عبد الرحمن تكتب: نهاية الأسطورة الكاذبة

نجاة عبد الرحمن
نجاة عبد الرحمن

في لحظات التحول الكبرى، لا تُقاس قوة الدول بما تملكه من ترسانة عسكرية فحسب، بل بما تستند إليه من تماسك داخلي، ومنسوب الثقة بين المجتمع ومؤسساته، وقدرته على تحمّل أعباء البقاء. وفي هذا السياق، يكتسب ما كشفته صحيفة «معاريف» الإسرائيلية بشأن بحث تل أبيب الاستعانة بمرتزقة أجانب لسد العجز في صفوف جيشها، دلالات تتجاوز بكثير حدود الخبر العسكري، لتلامس جوهر الفكرة التي قامت عليها الدولة العبرية منذ نشأتها.
فإسرائيل، التي طالما روّجت لنفسها باعتبارها نموذجًا فريدًا لما يُعرف بـ«جيش الشعب»، القائم على التجنيد الإجباري والانخراط المجتمعي الواسع، تبدو اليوم أمام اختبار حقيقي لهذا المفهوم. الحديث عن عجز يُقدّر بنحو خمسة عشر ألف جندي، في ظل رفض قطاعات من اليهود المتدينين أداء الخدمة العسكرية، لا يعكس فقط أزمة تجنيد، بل يكشف عن تصدّع داخلي يتصل بطبيعة العقد الاجتماعي ذاته، وبمدى استعداد مكونات المجتمع لتحمّل كلفة المشروع الصهيوني.
إن فكرة استقدام آلاف المقاتلين الأجانب، برواتب مغرية، لا تمثل مجرد حل تقني لسد فجوة عددية، بل تعكس تحوّلًا نوعيًا في فلسفة القتال والعقيدة العسكرية. فالجندي الذي ينتمي إلى وطنه ويقاتل دفاعًا عن هويته، يختلف جذريًا عن مقاتل مدفوع الأجر، تحكمه حسابات الربح والخسارة، لا اعتبارات الانتماء أو الارتباط الوجودي بالأرض. هذا التحول من “القتال بدافع الانتماء” إلى “القتال بدافع الأجر” ليس تفصيلًا عابرًا، بل مؤشر على خلل عميق في البنية النفسية والاجتماعية للدولة.
وتزداد خطورة هذا التوجه إذا ما وُضع في سياق البيئة الإقليمية الراهنة. فإسرائيل تواجه ضغوطًا متصاعدة على أكثر من جبهة؛ من غزة التي تشهد توترات مستمرة، إلى لبنان حيث يقف حزب الله كقوة ردع مقلقة، مرورًا بالساحة السورية المفتوحة على احتمالات متعددة. وفي مثل هذه البيئة المركّبة، يصبح الاعتماد على عنصر بشري غير مستقر الولاء مخاطرة استراتيجية، قد تنعكس سلبًا على كفاءة العمليات العسكرية، وعلى قدرة القيادة على فرض الانضباط والسيطرة.
ولا يقتصر الأمر على الجانب العملياتي، بل يمتد إلى البعد المعنوي، الذي يُعد أحد أهم عناصر القوة في أي جيش. فالإقرار بالحاجة إلى مرتزقة، ولو بشكل غير مباشر، يبعث برسائل مزدوجة وخطيرة. في الداخل، يُفهم على أنه اعتراف ضمني بأن الدولة لم تعد قادرة على حشد مواطنيها للدفاع عنها. وفي الخارج، يُنظر إليه باعتباره تراجعًا عن النموذج الذي طالما قدّمته إسرائيل بوصفه أحد مصادر تفوقها. وفي الحالتين، تتعرض صورة “الجيش الذي لا يُقهر” لتآكل تدريجي، ليس بفعل هزيمة عسكرية مباشرة، بل نتيجة تحولات بنيوية في داخله.
وعلى مستوى السيطرة الميدانية، يحمل هذا التحول تداعيات لا تقل خطورة. فإدخال مقاتلين أجانب إلى بيئات شديدة الحساسية، كالأراضي الفلسطينية، قد يؤدي إلى تراجع في كفاءة الضبط والسيطرة، خاصة في ظل غياب الفهم العميق للسياق السياسي والاجتماعي. كما أن غياب الرابط النفسي والأخلاقي بين المقاتل الأجنبي وطبيعة الصراع، قد يدفع نحو استخدام أكثر عنفًا للقوة، بما يزيد من احتمالات الانتهاكات، ويؤدي إلى تصعيد إضافي في دائرة العنف.
وهنا، تبرز انعكاسات مباشرة على القضية الفلسطينية. فكلما زادت حدة الانتهاكات، واتسعت رقعتها، تعزّز حضور القضية في الوعي العالمي، خاصة في ظل التحولات الملحوظة في الرأي العام الدولي، والتي بدأت تميل تدريجيًا نحو نقد السياسات الإسرائيلية. ومع دخول عنصر “المرتزقة” على خط الصراع، قد يتضاعف هذا التأثير، إذ يُنظر إلى الأمر بوصفه دليلاً على غياب الشرعية الأخلاقية، واعتمادًا متزايدًا على أدوات قسرية لا تستند إلى أي بعد إنساني.
كما أن هذا التوجه يضع حلفاء إسرائيل الغربيين في موقف حرج. فالدول التي ترفع شعارات حقوق الإنسان وسيادة القانون، تجد نفسها أمام نموذج يتناقض مع هذه القيم، ما قد يفاقم الضغوط السياسية والدبلوماسية، ويفتح الباب أمام مزيد من الانتقادات، ليس فقط للسياسات الإسرائيلية، بل أيضًا للدعم المقدم لها.
اقتصاديًا، قد تبدو إسرائيل قادرة على تحمّل كلفة هذا الخيار، في ظل اقتصاد متماسك نسبيًا ودعم خارجي مستمر. غير أن التكلفة الحقيقية تتجاوز الأرقام المباشرة. فالأمر لا يقتصر على رواتب قد تصل إلى آلاف الدولارات شهريًا لكل مقاتل، بل يشمل أيضًا نفقات التدريب، والتأمين، والتجهيز، فضلًا عن التبعات القانونية المحتملة، خاصة إذا ما تورط هؤلاء في انتهاكات أو جرائم حرب. وفي عالم باتت فيه المساءلة الدولية أكثر حضورًا، قد تتحول هذه الملفات إلى عبء سياسي وقانوني طويل الأمد.
غير أن البعد الأعمق يظل مرتبطًا بطبيعة المشروع الصهيوني ذاته. فهذا المشروع قام، في أحد أركانه الأساسية، على فكرة “العودة” والارتباط الوجودي بالأرض، وعلى أن الدفاع عنها واجب ذاتي يقوم به “أبناء المشروع” لا وكلاء عنه. ومن ثم، فإن الاستعانة بمقاتلين مأجورين تمثل، في معناها الرمزي، نوعًا من الانفصال بين الأرض ومن يُفترض أنهم أصحابها.
حتى السرديات التاريخية والدينية التي استند إليها هذا المشروع، بما في ذلك استدعاء رمزية “مملكة سليمان”، تفقد جزءًا من قوتها حين يصبح القتال من أجلها مهمة مدفوعة الأجر. فحين يتحول الدفاع عن “الأرض الموعودة” إلى عقد عمل، تنتقل الفكرة من كونها عقيدة إلى مجرد مشروع براغماتي تحكمه حسابات الكلفة والعائد.
وفي هذا التحول، يكمن خطر استراتيجي صامت، يتمثل في تآكل الرابط بين الفكرة ومتبنيها. فالدول لا تستمر بالقوة العسكرية وحدها، بل باستمرار الإيمان الجماعي بالمشروع الذي تمثله. وحين يتراجع هذا الإيمان، تصبح كل الأدوات الأخرى، مهما بلغت قوتها، عاجزة عن تعويضه.
كما أن استمرار رفض فئات مؤثرة داخل المجتمع الإسرائيلي للخدمة العسكرية، مقابل تحمّل فئات أخرى عبء القتال، يطرح تساؤلات عميقة حول العدالة والتكافؤ، ويهدد بإعادة إنتاج انقسامات داخلية قديمة في ثوب جديد. ومع دخول عنصر “المرتزقة” على الخط، قد يتعزز شعور لدى بعض المواطنين بأن الدفاع عن الدولة لم يعد واجبًا جماعيًا، بل خدمة يمكن شراؤها من الخارج، وهو ما يُضعف أحد أهم مرتكزات التماسك الاجتماعي.
في المحصلة، لا يبدو هذا المسار مجرد خيار عسكري عابر، بل علامة فارقة على مرحلة تعيد فيها إسرائيل تعريف أدوات بقائها وحدود قدرتها على الاستمرار. فالدول التي تضطر إلى استيراد من يدافع عنها، إنما تواجه في العمق أزمة تتعلق بذاتها قبل خصومها؛ أزمة ثقة، وانتماء، وهوية.
قد تنجح الحلول المؤقتة في تجاوز ضغوط اللحظة، وقد تسد فجوة عددية هنا أو هناك، لكنها تفتح في المقابل أبوابًا واسعة لتساؤلات أكبر وأكثر عمقًا: إلى أي مدى يمكن لمشروع قائم على فكرة الهوية والارتباط بالأرض أن يصمد، إذا ما تراجع استعداد أبنائه لحمايته؟ وهل يمكن للقوة، حين تُفصل عن جذورها الاجتماعية والثقافية، أن تظل قوة بالمعنى الحقيقي؟
إنها أسئلة لا تُحسم في ميادين القتال وحدها، بل في عمق البنية التي تمنح الدولة معناها وسبب بقائها. وهناك، تحديدًا، تبدأ الأساطير في السقوط… ليس بضربة واحدة، بل بتآكل بطيء من الداخل.