عشت طفولتي في الثمانينات وبداية التسعينيات ولا تزال في ذاكرتي طقوس المشاهدة في الأيام العادية و الرمضانية أمام التلفزيون مع أسرتي الريفيه البسيطه كان التلفزيون بدائيا أبيض وأسود ذا اريل بدائي يوضع فوق السطح فلم تكن اطباق الدش والريسفر معروفين حيث لم يكن قد تم اكتشافهم في هذا الوقت!
ورغم هذا فقد كان التلفزيون متزنا، آنذاك، بما يقدمه لمختلف الأعمار والأذواق،
فكنت تعثر على كلّ ما يطلبه المشاهدون ...
وفي رمضان كانت السهرة تمتدّ من الإفطار إلى السحور؛ كارتون، وفوازير، وكاميرا خفية، ثم مسلسلات ومسرحيات كوميدية فكان الضحك من القلب دون تصنع أو تكلف ناهيك عن المسلسلات التاريخية، والدينية .
كانت جدتي تضع التلفزيون على ترابيزه خشبيه كبيره في برندة المنزل وهي مكان متسع في مدخل المنزل تطل على الشارع كي يجتمع الجيران بصغارهم فيشاهدون معنا المسلسل والذي كان يطلق عليه التمثيليه فلم تكن كل البيوت تمتلك التليفزيون!
كانت الدراما التليفزيونية والسينمائية في الماضي هادفه ولها معنى وكانت فيها روائح الزمن الجميل وكانت هذه الأعمال الفنيه الرصينه نقطة ارتكاز تجتمع حول شاشات عرضها الأسر المصريه بكافة أنواعها وطبقاتها المجتمعيه ابتداء من وجه بحري إلى وسط الدلتا ومن ثم إلى قلب الصعيد
ثم كان مطلع التسعينيات من القرن الماضي حين قدم الكاتب الكبير محمد صفاء عامر إلى جانب المخرج العملاق مجدي أبو عميره مسلسل ذئاب الجبل هذا العمل الدرامي الذي تحدث عن بهتون الجبل في قنا وكيف كان الصراع بين الخير والشر والحق والباطل ...
جاء هذا العمل المتقن بلهجة صعيديه محكمه فنقل لنا جميعاً طباع قبيلة هواره التي وصلت إلى حد الجمود فكان الشيخ بدار كبير هواره يمتاز بالحكمة والاتزان و كان يواجه محرك الشر علوان أبو البكري وكيف أن الشيخ الطاعن في السن ساند ابنته ورده في تحقيق طموحها وإكمال تعليمها محققاً رغبتها في الزواج بمن يناسبها علما وثقافة وخلقا ضارباً بعادات بهتون المجحفه عرض الحائط حيث كانت الفتاه لا تزوج من غير أبناء عمومتها قبلت ذلك أم رفضت!
وكيف أن البدري دفع الثمن من عمره هارباً ومشردا جراء اندفاعه وعدم انصياعه لنصح والده الشيخ الكبير ...
ضم هذا العمل عمالقة الفن والإبداع حمدي غيث وعبدالله غيث وصلاح عبدالله وأحمد عبدالعزيز وشريف منير وسماح أنور ووائل نور وأحمد ماهر وعبدالله محمود .....
ثم كان الضوء الشارد بطولة ممدوح عبد العليم ويوسف شعبان الذي جاء ليجسد الصراع بين طبقات الاقطاعيين والذين يمثلهم رفيع العزايزي والاغنياء والملاك الجدد ويمثلهم وهبي السوالمي وكيف أن الفنانة القديرة سميحه ايوب لعبت دور المرأة الصعيديه الجسوره ذات الكلمه النافذه لا كما نقلت الحكايات والقصص أن المرأه في الصعيد كانت مغلوبه على أمرها .
مرت الدراما بالكثير من الأعمال الناجحه كحدائق الشيطان وأفراح ابليس ومسلسل العائله وليالي الحلميه والمال والبنون وغيرها ...
هذه الأعمال التي سلطت الضوء الكاشف على الكثير من قضايا المجتمع فعالجتها ....
كل هذه الأعمال الفنية الرائعة كانت من انتاج اتحاد الإذاعة والتليفزيون"ماسبيرو قلعة الفن والاعلام والتنوير "
فما زلنا ننتظر عودة محمد صفاء عامر وأسامه انور عكاشه وغيرهما من جيل المبدعين في عقول وضمير وفكر الكتاب الجدد ليعالجوا كافة قضايا المجتمع من خلال أعمال دراميه ناجعه تضع الرؤية والتصور لنشر الثقافة والفكر التوعوي لا سيما في ظل ما يشهده المجتمع من غزو فكري ومعرفي عبر الأقمار الصناعية المفتوحه وانتشار العري ومقاطع الفيديو التخريبية على السوشيال ميديا والتي باتت تهدد أمن المجتمع القيمي والأخلاقي وأصبحت قنبلة موقوتة في كل البيوت!
نريد صناعة حقيقة تعبر عن الواقع والقضايا الحياتيه لا كما يطلب المنتجين!
المواجهه لابد وأن تكون بنشر الضد لوقف هذا المد الأغبر الذي حل على شاشات الموبايل والقنوات والبرامج المغرضه والتي عصت الزوجات على طاعه ازواجهن بزعم التحرر والحرية"فدسوا لهن السم في الدسم"مما خلق فجوه كبيره فرأينا أب يلفظ ابنائه ويلقي بهم في الشارع من باب العند والجهل الفادح ورأينا امهات ينتحرن لقلة ذات اليد والحيله!
مما ينذر بناقوس يدق باب الخطر المرعب!
الفن الهادف هو قوه ناعمه من قوى الأوطان يبني لا يهدم ويعمر لا يخرب وغيره إن حاد عن هذه الخطوط الحمراء وتجاوزها لا يسمى فنا ولا ابداعا بل هدما وتخريبا .
خالد الشناوي يكتب: الأعمال الفنية الهادفة وروائح الزمن الجميل