قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

وائل الغول يكتب: عقيدة الركام.. أسرار الإستراتيجية الإسرائيلية الجديدة

وائل الغول
وائل الغول

من يريد فهم التحول الأخطر داخل العقل الأمني الإسرائيلي بعد 7 أكتوبر، لا يحتاج إلى متابعة التصريحات السياسية أو بيانات الجيش بقدر ما يحتاج إلى النظر نحو بلدة الخيام في جنوب لبنان.


هناك، على بعد كيلومترات قليلة من الحدود، تحولت البلدة — التي كانت تضم عشرات الآلاف من السكان — إلى نموذج كامل لما يُسمى ”عقيدة الركام”.

عقيدة الركام؟

العقيدة الأمنية الجديدة التي تشكلت داخل المؤسسة العسكرية والسياسية الإسرائيلية بعد الصدمة غير المسبوقة لهجوم 7 أكتوبر.

عقيدة الركام ليست تدميراً عسكرياً تقليدياً فقط، بل إزالة البيئة الجغرافية والبشرية التي تسمح بوجود التهديد. لم يعد الهدف ردع العدو فحسب، بل حرمانه نهائياً من القدرة على التموضع والعمل العسكري.

من الردع إلى الحرمان من القدرة

لسنوات اعتمدت إسرائيل على الردع والاحتواء:

ضربات، اغتيالات، تفوق استخباراتي، ثم إدارة الصراع.

لكن 7 أكتوبر دمر هذه النظرية، واعتُبر فشلاً وجودياً للاعتماد على التكنولوجيا والجدران والرقابة الجوية وحدها.

ولدت من هنا عقيدة الركام، التي جوهرها بسيط وقاسٍ:

«المنطقة الخالية أو المدمرة أكثر أمناً من منطقة يمكن إعادة استخدامها عسكرياً».

هذه الفكرة تفسر ما حدث في غزة وما يتكرر في جنوب لبنان.

حربان بعقلية واحدة

رغم اختلاف الجبهتين، فإن ما يجري في غزة وجنوب لبنان يعكس نموذجًا عسكريًا واحدًا.

في غزة، أنشئت مناطق عازلة واسعة (الحزام الأمني بالنار)، مع تدمير واسع للبنية التحتية ومنع فعلي لعودة الحياة في مناطق حدودية تشكل نحو 50-60% من مساحة القطاع في بعض التقديرات.

وفي جنوب لبنان، يتكرر النموذج نفسه:
•  تدمير عشرات القرى الحدودية (أكثر من 25-30 قرية وبلدة متضررة بشكل كبير حسب تحليلات الأقمار الصناعية حتى مايو 2026).
•  أكثر من 10,000 وحدة سكنية دُمرت أو تضررت بعد وقف إطلاق النار في بعض التقارير اللبنانية.
•  مناطق عازلة (“الخط الأصفر”) تشمل عشرات البلدات، مع وجود عسكري إسرائيلي دائم ومنع إعادة الإعمار في مناطق قريبة من الحدود.

حتى المصطلحات باتت متشابهة: “غَزْوَنة جنوب لبنان”، أي نقل النموذج الغزي إلى الحدود اللبنانية.

والفرق الوحيد أن أنفاق لبنان الصخرية أصعب تدميراً.

لكن النتيجة واحدة: شريط حدودي مدمر يمنع التموضع المستقبلي.

وتمتد هذه العقيدة تدريجياً إلى الضفة الغربية عبر توسيع المناطق العازلة وتصاعد الاجتياحات الوقائية.

التحول النفسي العميق

بعد 7 أكتوبر، انهار الثقة في نموذج “الانسحاب والردع عن بعد”.

وهو ما حدث بعد الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان 2000، وفك الارتباط مع غزة 2005).

تحولت العقيدة من «الدفاع خلف الحدود» إلى «الدفاع من داخل أرض الخصم»، مع اعتراف غير مباشر بأن الردع التقليدي لم يعد كافياً.

الأمن الأيديولوجي والديني

هذا التحول لا ينفصل عن صعود اليمين القومي الديني المتطرف (بن غفير، سموتريتش وغيرهما)، الذي يرى الصراع معركة وجود وهوية ودين، وليس نزاعاً حدودياً فقط.

داخل بعض التيارات الدينية القومية، يُستدعى التاريخ التوراتي لتبرير “الحسم الكامل”.

مثال بارز: قصة عماليق (في سفر التثنية والخروج)، حيث يُؤمر بـ”محو ذكر عماليق” تماماً.

استخدم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو هذه الإشارة بعد 7 أكتوبر لوصف حماس.

ويستخدمها بعض الحاخامات المتشددين الذين يربطون “عماليق” بالفلسطينيين أو أعداء إسرائيل الحاليين) لتبرير الحرب الشاملة والتدمير الوقائي.

كذلك، قصص سفر يشوع عن حروب الاستيطان و”تطهير الأرض” من الشعوب القديمة تُفسر أحياناً حرفياً كأمر إلهي بالسيطرة الكاملة على “أرض إسرائيل”.

هذه التفسيرات قد تحول الحرب إلى مشروع ديني مفتوح يغذي دورات عنف لا تنتهي.

حروب بلا نهاية؟

إسرائيل تعيد اليوم تعريف معنى الأمن: 
من الردع إلى السيطرة، ومن الاحتواء إلى التدمير الوقائي، ومن حماية الحدود إلى إعادة تشكيل الجغرافيا بالقوة.

لكن السؤال الأخطر يبقى:

إذا كانت “عقيدة الركام” ترى أن الأمن يتحقق عبر تدمير المدن ومنع عودة الحياة إليها.. فهل تنجح إسرائيل فعلاً في صناعة أمن دائم؟، أم أنها تبني تحت الركام الجيل القادم من " حروب بلا نهاية"؟