هل تساءلت لماذا أقسم الله بـ العشر الأوائل من ذي الحجة؟ وما سر كونها أعظم أيام الدنيا؟ وماذا كان يفعل الصحابة فيها حتى بلغوا تلك المنزلة؟
في هذه الأيام، تجتمع أعظم العبادات من صيام وذكر وصدقة وحج، وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يعيشونها بروح مختلفة تمامًا، فملأوا أوقاتها بالتكبير والعمل الصالح.
وكيف اغتنم الصحابة هذه الأيام، وكيف يمكنك أن تعيشها بنفس القوة لتفوز بأجر مضاعف ومغفرة واسعة.
السر في تفضيل عشر ذي الحجة
من كرم الله تعالى أنه إذا نظر لقلب المُقبلِ على العشر الأوائل من ذي الحجة ووجده صادقًا مُقبلًا حريصًا على المعاملة مع الله سبحانه، عزَّ هذا القلب عنده فوفقه للتعظيم، فالفرائض في هذه العشر أفضل من الفرائض في غيرها، ومضاعفتها أكثر، والنوافل أفضل من نوافل غيرها.
قال الحافظ ابن حجر: "والذي يظهر أن السبب في امتياز عشر ذي الحجة لمكان اجتماع أمهات العبادة فيه، وهي: الصلاة، والصيام، والصدقة، والحج، ولا يتأتى ذلك في غيره" [فتح الباري، (٢/٤٦٠)].
ونقل القَسْطلّاني عن أبي أمامة بن النقاش: "فإن قلت: أيهما أفضل، عشر ذي الحجة، أو العشر الأواخر من رمضان؟ فالجواب: أن أيام عشر ذي الحجة أفضل؛ لاشتمالها على اليوم الذي ما رؤي الشيطان في يوم - غير يوم بدر - أدحر ولا أغيظ ولا أحقر منه فيه وهو يوم عرفة، ولكون صيامه يكفر سنتين، ولاشتمالها على أعظم الأيام عند الله حُرمة وهو يوم النحر الذي سماه الله تعالى يوم الحج الأكبر، وليالي عشر رمضان الأخير أفضل؛ لاشتمالها على ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر" [المواهب اللدنية، (٣/٤٤٢)].
وقال الحافظ ابن كثير: "... وفي سنن أبي داود: "أن رسولَ اللهِ ﷺ كان يصومُ هذا العشرَ"، وهذا العشر مشتمل على يوم عرفة الذي ثبت في صحيح مسلم، عن أبي قتادة قال: سئل رسول الله ﷺ، عن صيام يوم عرفة، فقال: «صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ، أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ، وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ...» [مسلم: ١١٦٢]، ويشتمل على يوم النحر الذي هو يوم الحج الأكبر، وقد ورد في حديث أنه أفضل الأيام عند الله، وبالجملة فهذا العشر قد قيل: إنه أفضل أيام السنة، كما نطق به الحديث، وفضّله كثير على عشر رمضان الأخير؛ لأن هذا يشرع فيه ما يشرع في ذلك من صلاة وصيام وصدقة وغيره، ويمتاز هذا باختصاصه بأداء فرض الحج فيه.
وقيل: ذلك أفضل؛ لاشتماله على ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، وتوسط آخرون فقالوا: أيام هذا أفضل، وليالي ذاك أفضل، وبهذا يجتمع شمل الأدلة، والله أعلم" [تفسير القرآن العظيم].
قال ابن الجوزي: "اعلموا رحمكم الله أن عشركم هذا ليس كعشر، وهو يحتوي على فضائل عشر:
الأولى: أن الله عز وجل أقسم به فقال: {وَلَیَالٍ عَشۡرࣲ} [الفجر: ٢].
والثانية: أنه سماه الأيام المعلومات؛ فقال تعالى: {وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ} [الحج: ٢٨]، قال ابن عباس رضي الله عنهما: هي أيام العشر.
والثالثة: أن رسول الله ﷺ شهد له بأنه أفضل أيام الدنيا.
والرابعة: حث على أفعال الخير فيه.
والخامسة: أنه أمر بكثرة التسبيح والتحميد والتهليل فيه.
والسادسة: أن فيه يوم التروية... قال الزاهدي: وإنما سمي بيوم التروية؛ لأن عرفات لم يكن بها ماء فكانوا يتروون من الماء إليها.
والسابعة: أن فيه يوم عرفة وصومه بسنتين.
والثامنة: أن فيه ليلة جمع وهي ليلة المزدلفة.
والتاسعة: أن فيه الحج الذي هو ركن من أركان الإسلام.
والعاشرة: وقوع الأضحية التي هي علم للملة الإبراهيمية والشريعة المحمدية، ومن أراد أن يضحي كره له إذا دخل عليه عشر ذي الحجة أن يأخذ بشرته وأن يقلم أظفاره أو يحلق شعره، وليتشبه بالمحرمين..." [التبصرة لابن الجوزي].
حال الصحابة في العشر من ذي الحجة
لقد سطر الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أروع الأمثلة في استغلال دقائق هذه العشر، فكان بعض الصحابة رضوان الله عليهم يخرجون إلى الأسواق في العشر، فيُكبرون، ويُكبر المسلمون معهم، قال الإمام البخاري: "وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ: يَخْرُجَانِ إِلَى السُّوقِ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ، يُكَبِّرَانِ وَيُكَبِّرُ النَّاسُ بِتَكْبِيرِهِمَا" [البخاري تعليقا: ٢/٢٠].
وَكَانَ سيدنا عُمَرُ بن الخطاب رضي الله عنه يُكَبِّرُ فِي قُبَّتِهِ بِمِنًى، فَيَسْمَعُهُ أَهْلُ المَسْجِدِ فَيُكَبِّرُونَ، وَيُكَبِّرُ أَهْلُ الأَسْواقِ، حَتَّى تَرْتَجَّ مِنًى تَكْبِيرًا.
وَكانَ سيدنا عبد الله بْنُ عُمَرَ يُكَبِّرُ بِمِنًى تِلْكَ الأَيَّامَ، وَخَلْفَ الصَّلَواتِ، وَعَلَى فِراشِهِ، وَفِي فُسْطاطِهِ وَمَجْلِسِهِ وَمَمْشاهُ، تِلْكَ الأَيَّامَ جَمِيعًا، وَكانَتْ السيدة مَيْمُونَةُ تُكَبِّرُ يَوْمَ النَّحْرِ، وَكُنَّ النِّساءُ يُكَبِّرْنَ خَلْفَ أَبانَ بْنِ عُثْمانَ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزَ، لَيالِيَ التَّشْرِيقِ مَعَ الرِّجالِ فِي المَسْجِدِ. [البخاري تعليقا: ٢/ ٢٠].
رُوي عن الصحابي الجليل أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: "كَانَ يُقَال فِي أَيَّام الْعشْر بِكُل يَوْم ألف يَوْم وَيَوْم عَرَفَة عشرَة آلَاف يَوْم، قَالَ: يَعْنِي فِي الْفضل"، [ذكره الحافظ المنذري في الترغيب والترهيب (٣/ ١٢٨) وقال عقبه: رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ والأصبهاني وَإسْنَاد الْبَيْهَقِيّ لَا بَأْس بِهِ]، وهو يعكس مدى استشعار الصحابة لعظمة الأجر ومضاعفته في هذه الأيام المباركة، وتنافسهم فيها تنافسًا عظيمًا.
نقل التابعي الجليل أبو عثمان النهدي (وقد أدرك كبار الصحابة) حال الجيل الأول في تقدير المواسم الفاضلة قائلًا: "كانوا يعظمون ثلاث عشرات: العشر الأخير من رمضان، والعشر الأول من ذي الحجة، والعشر الأول من المحرم"، [لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف (ص٦٨)] وهذا الجمع بضمير الغائب (كانوا) يدل على أنه منهج عام وحالة جماعية عاشها الصحابة والتابعون من بعدهم، وليس مجرد اجتهاد فردي.
فالسير على نهج الصحابة رضي الله عنهم في عشر ذي الحجة بوابتنا للتوبة النصوح والاصطلاح مع الله عز وجل من خلال تنويع القربات، فإن إحياء هذه الأيام بالصيام والقيام والصدقات وسد حاجات المحتاجين هو السبيل العملي للتعرض لنفحات رحمة الله الواسعة، ويظل اغتنام هذه الدقائق الغالية ميزانًا يفرّق بين الفطن الذي يتاجر مع ربه، وبين الغافل الذي تمر عليه مواسم المغفرة دون أثر.
فتتجلى عظمة حال الصحابة رضي الله عنهم في العشر الأوائل من ذي الحجة من خلال تعظيمهم البالغ لهذه الأيام المباركة باجتماع أمهات العبادات فيها، فقد سطروا أروع الأمثلة في ملازمة التكبير والتهليل بالأسواق والمساجد والطرقات، والمسارعة إلى الصيام والصدقة والأضحية طمعا في مغفرة الذنوب، ويظل اقتفاء أثرهم في هذا الموسم الفاضل هو التجارة الرابحة التي تميز الفطن الحريص على نفحات ربه من الغافل المحروم.

