تلتقي هذا العام في مهرجان كان السينمائي في دورته التاسعة والسبعين ثلاثة أفلام عربية في سؤال واحد موجع: ماذا يحدث للمرأة حين يقرر المجتمع أنه يملكها؟ ثلاثة مخرجين، ثلاث مناطق جغرافية، وثلاث طرق مختلفة في الصراخ، لكن الجرح العربي واحد، إنه ليس مجرد تزامن، بل إشارة شديدة الوضوح إلى أن السينما العربية تختار في هذه اللحظة أن تنظر في المرآة وتصور حقيقة ما يحدث دون تجميل.
"البارح العين ما نامت": المرأة قرباناً في مواجهة القبيلة
لو لم تعرف شيئاً عن الفيلم، لحسبته لوحة تأملية عن الأرض والإنسان، لكنك حين تعرف ما يجري خلف هذا الجمال، تدرك أن المخرج الفلسطيني ركان مياسي وضع الفخ بدقة المحترفين، فأمام جبال لبنان الثلجية الشامخة، تنكسر النساء على مرأى من الرجال وبموافقتهم.
"البارح العين ما نامت"، الفيلم الروائي الطويل الأول لمياسي، الذي قدم من قبله أفلامًا قصيرة أبرزها "بونبونه"، يبدأ أحداثه بحادث سير، وينتهي بشكل غير متوقع، ليحول مصير شقيقتين، هما ريم وجواهر، إلى دوامة من الذل والقسوة.
في مجتمع تسيطر عليه الأعراف القبلية وغياب القانون، توضع كل من ريم وجواهر على المحك، لتدفعا ثمن حادث شقيقهما، وهنا لا يحكم المخرج على الجماعة وتعقيدات معتقداتها، ولكنه يراقب عن كثب كل ما يحدث، ويضعه أمامنا للتأمل.
صور الفيلم مع ممثلين غير محترفين يعيشون اللحظة لا يؤدونها، في مزج مدهش بين الوثائقي والشعري يذكرنا بما تنتجه سينما الواقع، ويقول مياسي: "ولد هذا الفيلم من شظايا وإيماءات، مستنداً على حكاية جدتي، أردت أن أصور عالماً تتعايش فيه الحقيقة والأسطورة، حيث يمكن للتنكيل بالمرأة أن يكشف عن مدى سطوة المجتمعات القبلية وتحكمها بها."
يخبرنا ركان أن جدته أرغمت على الزواج وهي في الرابعة عشرة، وهنا يتحول الفيلم من شهادة فنية إلى وصية شخصية، هذا ما يجعل "البارح العين ما نامت" يتجاوز السياق البدوي ليطرح سؤالاً إنسانياً أشمل: متى يتوقف تحويل المرأة إلى قربان مقبول؟
"الفراولة": العمالة المغاربية ووجه أوروبا الآخر
بعيداً عن سهل البقاع، وتحت سقوف البلاستيك الخانقة في مزارع الفراولة الإسبانية، ثمة نوع آخر من القهر، ليس أقل قسوة، صحيح أنه يتسم بالمباشرة حوارياً وسردياً، لكنه يمثل حضوراً جاداً للسينما العربية في ثاني أهم مسابقات المهرجان الفرنسي.
الفيلم يرفع الستار عما لا يريد أحد في أوروبا أن يراه: العمالة الموسمية المغاربية التي تُمكن أسواق القارة العجوز من الاستمتاع بالفراولة الرخيصة، بينما تدفع النساء اللواتي يقطفنها ثمناً آخر تماماً.
المخرجة الفرنسية المغربية ليلى مراكشي عادت إلى "نظرة ما" بعد عشرين عاماً من فيلمها "ماروك"، وهنا لم تخرج "مراكشي" قدرات الممثلة الموهوبة نسرين الراضي كما ينبغي تماماً، والتي برعت من قبل في “آدم” و "الجميع يحب تودا"، ولكنها تلعب هنا شخصية آسرة أيضا، فجرأتها وغضبها هما ما يحرك الفيلم، اجتهدت في المضي قدماً بشخصية حسنه، وبذلك المزيج المدهش من الصلابة والهشاشة أمام منظومة استغلال اقتصادي وجنسي ونفسي متكاملة، ما يجعلك تتساءل: كيف تصمد حقاً؟
صورت ليلى مراكشي ما يجري في تلك المزارع الأوروبية وكأنه صورة عصرية للرق، يختار أسلوبها الواقعية الاجتماعية على الاستقرار في المنطقة الآمنة، تسرد دون تجريب، مما يمنحه تماسكاً جيداً، لكنه يفقده في الوقت ذاته شيئاً من العمق الذي كان يمكن أن يبلغه، حيث يسيطر الموضوع ويضغى على جماليات الصورة.
"المحطة": النساء يصمدن حين ينهار كل شيء
يأتي من أقصى الجنوب العربي حاملاً ثقل عقد من الحرب، "المحطة" للمخرجة اليمنية الاسكتلندية سارة إسحاق، المعروض ضمن أسبوع النقاد في كان، في أول تجربة روائية طويلة لها بعد عدة أفلام قصيرة حملت لها ترشيحاً للأوسكار.
فيلم استغرق عشر سنوات حتى اكتمل، رقم يعكس ليس فحسب صعوبة الإنتاج والتصوير في بلد ممزق، بل حجم ما تحمله المخرجة من إحساس بالمسؤولية تجاه النص والبشر الذين يسكنونه.
شخصية الفيلم الرئيسية تدير محطة وقود لا تدخلها إلا النساء في اليمن المحاصر بين فصائل متقاتلة، عند المدخل لافتة تقول كل شيء: "لا رجال، لا أسلحة، لا سياسة"، هذا المكان الصغير هو استعارة الفيلم المركزية وحبكته الفعلية في آن واحد، إنها واحة للحرية وسط الجحيم.
ما تفعله إسحاق بذكاء أنها تختار التمثيل على التوثيق، تخترع فصائل وأماكن، لكنها تملأها بنساء حقيقيات التقت بهن في اليمن وحملت قصصهن سنوات، والنتيجة فيلم مغلف بالإنسانية والفكاهة، يجمع بين صدق الشهادة وحرية الخيال، وسط عالم يحترق بالمعنى الحرفي.
تقول إسحاق: “اليمن لديها عدد قليل جداً من صانعي الأفلام، وهذا يخلق شعوراً بالمسؤولية: إذا كنت سأصنع فيلماً عن أي شيء، فيجب أن يمس ثقافة بلدي.”

ما يجمع هذه الأفلام الثلاثة هو اليقين المشترك بأن المرأة في عالمنا العربي لا تزال تدفع ثمن قرارات لم تشارك في اتخاذها: ثمن الأعراف القبلية البالية في سهل البقاع، وثمن الفراولة الرخيصة في أسواق أوروبا، وثمن حرب لم يشعلها أحد من سكان محطة الوقود.