قبل ساعات من حلول عيد الأضحى المبارك، تتزايد حركة البيع والشراء داخل أسواق الماشية ومحال الجزارة في مختلف المحافظات، وسط حالة من الترقب بين المواطنين بشأن أسعار الأضاحي وتكاليف الذبح، في وقت تعود فيه إلى الواجهة أزمة الذبح في الشوارع والجدل المتكرر حول تطبيق قرارات منع الذبح خارج المجازر الرسمية.
وفي هذا السياق، كشف سعيد زغلول، نائب رئيس شعبة القصابين بالغرفة التجارية، تفاصيل الأسعار الحالية للأضاحي، إلى جانب رؤيته للأزمة المتعلقة بمنع الذبح في الشوارع، مؤكدا أن الواقع العملي يختلف كثيرا عن القرارات النظرية التي يتم الإعلان عنها كل عام قبل العيد.
أسعار الأضاحي هذا العام.. ارتفاع ملحوظ حسب الجودة
وأوضح زغلول أن أسعار الأضاحي هذا العام تختلف بحسب نوعية الماشية وجودتها، مشيرا إلى أن سعر الكيلو القائم في العجول يتراوح ما بين 190 إلى 210 جنيهات، وفقا لجودة العجل وحالته الصحية وحجمه.
أما بالنسبة للخراف، فأكد أن سعر الكيلو القائم يتراوح بين 220 و250 جنيها، لافتا إلى أن الأسعار تخضع أيضا لحجم الطلب والإقبال المتوقع خلال الأيام الأخيرة قبل العيد، وهي الفترة التي تشهد عادة ارتفاعا ملحوظا في حركة الشراء.
وأشار إلى أن بعض المواطنين يلجأون إلى شراء الأضحية بشكل مبكر هربا من الزيادات المعتادة التي تحدث قبل العيد مباشرة، خاصة مع ارتفاع أسعار الأعلاف والنقل وتكاليف التربية خلال الشهور الماضية.
تكاليف الذبح والتجهيز.. خدمات إضافية ترفع السعر
ولم تقتصر الزيادات على أسعار الأضاحي فقط، بل امتدت أيضا إلى خدمات الذبح والتجهيز، حيث أوضح زغلول أن تكلفة ذبح العجل تبدأ من نحو 5 آلاف جنيه في المتوسط، موضحا أن الأمر يتوقف على طلبات الزبون وطبيعة الخدمة المقدمة.
وقال إن بعض العملاء يطلبون خدمات إضافية تتجاوز الذبح التقليدي، مثل التقطيع والتغليف والتنظيف والتجهيز الكامل للحوم، وهو ما يستغرق وقتا وجهدا أكبر من الجزارين والعمال، وبالتالي ترتفع التكلفة وفقا لحجم الخدمة المطلوبة.
وأضاف أن الأمر يشبه اختلاف قيمة الكشف الطبي بين طبيب وآخر وفقا لطبيعة الخدمة، موضحا أن بعض الزبائن يطلبون تجهيزات خاصة تحتاج إلى عدد أكبر من العمال وساعات عمل أطول.
أما بالنسبة للخراف، فأشار إلى أن تكلفة الذبح تتراوح بين 500 و700 جنيه، بحسب مستوى الخدمة المطلوبة ومكان الذبح.
أزمة الذبح في الشوارع.. جدل يتكرر كل عام
وتحدث نائب رئيس شعبة القصابين عن الأزمة السنوية المتعلقة بمنع الذبح في الشوارع، مؤكدا أن الغرفة التجارية ناقشت هذه القضية منذ سنوات مع مسؤولين بوزارة البيئة والجهات المعنية.
وقال إن بعض المسؤولين كانوا يلوحون بتوقيع غرامات تصل إلى 10 آلاف جنيه على من يذبح في الشوارع، إلا أن تطبيق هذا الأمر على أرض الواقع يواجه تحديات كبيرة للغاية.
وأوضح زغلول أن المشكلة الأساسية تكمن في عدم جاهزية المجازر لاستيعاب الأعداد الضخمة من الأضاحي التي يتم ذبحها خلال أول أيام عيد الأضحى، خاصة في المناطق الشعبية والمزدحمة.
وضرب مثالا بمنطقة الكيت كات وإمبابة، مؤكدا أن منطقة واحدة فقط قد تشهد ذبح أكثر من ألف خروف وعشرات العجول خلال يوم العيد، متسائلا.. كيف يمكن لمجزر واحد استيعاب هذه الأعداد الهائلة في ساعات محدودة؟
المجازر لا تستوعب الأعداد الضخمة
وأشار إلى أن مجزر الوراق، على سبيل المثال، لن يكون قادرا على استقبال آلاف المواطنين دفعة واحدة، خاصة أن كل أسرة تحرص على حضور عملية الذبح باعتبارها شعيرة دينية مرتبطة بأجواء العيد.
وأضاف أن المواطنين لا يذهبون بمفردهم إلى المجزر، بل يرافقهم أفراد الأسرة والأطفال والأقارب، وهو ما يتطلب أماكن انتظار وتجهيزات وخدمات لوجستية ضخمة قد لا تكون متوفرة بالقدر الكافي.
وتساءل زغلول عن عدد الجزارين المطلوبين للتعامل مع هذا الكم الكبير من الأضاحي خلال يوم أو يومين فقط، مؤكدا أن الواقع العملي يجعل تطبيق المنع الكامل أمرا بالغ الصعوبة.
كما أشار إلى أن عمليات الذبح لا تتوقف عند الذبح فقط، بل تشمل أيضا السلخ والتنظيف والتقطيع والتجهيز، وهي مراحل تحتاج إلى مساحات كبيرة وعمالة مدربة ومعدات وتجهيزات خاصة.
قرارات نظرية لا تراعي الواقع
وأكد زغلول أن إصدار أي قرار يجب أن يكون مبنيا على دراسة واقعية للتداعيات المترتبة عليه، موضحا أن منع الذبح في الشوارع دون توفير بدائل كافية سيؤدي إلى أزمات أكبر.
وقال إن القاهرة وحدها تضم ملايين المواطنين الذين يحرصون على ذبح الأضاحي، بينما عدد المجازر المتاحة لا يكفي لاستيعاب هذه الكثافة الهائلة خلال فترة قصيرة للغاية.
وأضاف أن عيد الأضحى يمثل موسما اقتصاديا مهما للجزارين والعمال والصنايعية، حيث يعتمد كثيرون على هذا الموسم كمصدر رئيسي للدخل السنوي.
وأشار إلى أن فكرة الذبح داخل المحال أو الأماكن المخصصة جاءت في الأساس لتخفيف الضغط على المنازل والأسر، خاصة أن الذبح داخل الشقق والمنازل كان يسبب مشكلات كثيرة تتعلق بالنظافة والدماء والإرهاق الذي تتحمله السيدات داخل البيت.
من الذبح داخل المنازل إلى المحال.. كيف تغيرت العادات؟
واستعاد زغلول ذكرياته مع بداية عمله في المهنة قبل أكثر من 30 عاما، موضحا أن الزبائن كانوا في الماضي يشترون الخراف ثم يطلبون من الجزار الذهاب إلى المنزل لإتمام عملية الذبح هناك.
وأكد أن الأمر كان يمثل ضغطا هائلا على الجزارين، خاصة مع ارتفاع عدد الأضاحي المطلوبة، موضحا أنه كان يبيع عشرات الخراف يوميا، وكان من الصعب توفير عدد كاف من العمال للانتقال إلى كل منزل على حدة.
ومن هنا، جاءت فكرة تجميع عمليات الذبح داخل المحال أو الأماكن المخصصة لذلك، بحيث يتمكن العمال من العمل في مكان واحد بشكل أكثر تنظيما وسرعة.
وأضاف أن هذا التطور ساهم أيضا في تخفيف الأعباء عن الأسر، خاصة فيما يتعلق بأعمال التنظيف والتعامل مع مخلفات الذبح داخل المنازل.
مقترح لتنظيم الذبح بدلا من المنع الكامل
وطرح زغلول مقترحا لحل الأزمة، يتمثل في السماح للجزارين بالذبح أمام المحال أو في أماكن مخصصة خلال أول أيام العيد فقط، باعتباره اليوم الذي يشهد الذروة الكبرى في الإقبال على الذبح.
وأوضح أنه بعد انتهاء اليوم الأول يمكن للجهات الرقابية تكثيف حملات التفتيش، وتوقيع غرامات على أي محل يترك مخلفات أو يتسبب في تلوث الشوارع.
وأكد أن هذه الآلية ستحقق توازنا بين الحفاظ على الشعيرة الدينية وراحة المواطنين من جهة، والحفاظ على البيئة والنظافة العامة من جهة أخرى.
وقال إن الجزار عندما يعلم بوجود رقابة حقيقية وعقوبات على ترك المخلفات، سيحرص بنفسه على تنظيف المكان وعدم ترك أي آثار للذبح في الشوارع.
الجدل حول صكوك الأضاحي
كما تطرق نائب رئيس شعبة القصابين إلى الجدل المتعلق بصكوك الأضاحي، موضحا أن فكرة الصكوك ظهرت في الأساس داخل مكة المكرمة بسبب الأعداد الضخمة من الأضاحي التي كانت تذبح هناك قديما، وما كان يترتب عليها من مشكلات صحية وبيئية.
وأشار إلى أن اللحوم كانت تتعرض للتلف ويتم التخلص منها بطرق عشوائية، مما تسبب في انتشار الأمراض، وهو ما دفع الجهات المختصة إلى تطوير نظام الذبح داخل المجازر وحفظ اللحوم في ثلاجات ثم توزيعها على المستحقين.
وأكد أن تطبيق فكرة الصكوك يجب أن يتم بشكل منظم يتناسب مع طبيعة كل مجتمع، دون أن يؤثر ذلك على رغبة المواطنين في أداء شعيرة الأضحية بالطريقة التقليدية التي اعتادوا عليها.
القانون يحذر من الذبح خارج المجازر
وفي المقابل، ينص قانون الزراعة رقم 53 لسنة 1966 على حظر الذبح خارج الأماكن المخصصة رسميا لذلك في المدن والقرى التي توجد بها مجازر معتمدة.
كما تنص المادة 143 مكررا من القانون ذاته، بعد تعديلها بالقانون رقم 207 لسنة 1980، على توقيع عقوبات تصل إلى الحبس والغرامة ضد المخالفين لأحكام الذبح خارج المجازر الرسمية.
وتشمل العقوبات الحبس لمدة تتراوح بين ستة أشهر وسنة، بالإضافة إلى غرامات مالية، مع مضاعفة العقوبة في حالة تكرار المخالفة.
كما يجيز القانون مصادرة المضبوطات وغلق المحال المخالفة لمدة تصل إلى ثلاثة أشهر في المرة الأولى، والغلق النهائي حال تكرار المخالفة.
بين الشعيرة الدينية ومتطلبات التنظيم
ويبقى ملف ذبح الأضاحي في الشوارع واحدا من أكثر الملفات إثارة للجدل مع اقتراب عيد الأضحى كل عام، في ظل محاولة الدولة تحقيق التوازن بين الحفاظ على النظام العام والصحة والبيئة، وبين مراعاة العادات الاجتماعية والشعائر الدينية المرتبطة بهذه المناسبة.