تعد زيارة المدينة المنورة والوقوف في رحاب المسجد النبوي الشريف من أعظم أمنيات المؤمنين، ومسك الختام لكل حاج ومعتمر، فهي رحلة إيمانية تجمع بين أشواق الروح والالتزام بالهدي النبوي المبارك، طمعًا في القبول والأجر العظيم من الله تعالى.
وفي إطار التوجيهات الفقهية والإرشادات التوعوية لزوار المدينة المنورة، تبرز مجموعة من الآداب والخطوات التي ينبغي على الزائر الفطن مراعاتها منذ وصوله إلى الديار المقدسة وحتى مغادرتها، لضمان استثمار كل لحظة في هذا المقام الأسمى.
الاستعداد الظاهري والباطني قبل التوجه للحرم
تبدأ رحلة الزائر بعد أن يحط رحاله ويطمئن على أمتعته ومحل إقامته، بالحرص على تطهير ظاهره وباطنه؛ حيث يسن له الاغتسـال غسلًا كاملًا، والتطهر تطهرًا يليق بلقاء الملوك، فكيف بلقاء سيد ولد آدم؟
كما يستحب للزائر ارتداء أحسن ثيابه وأطهرها وأجملها، والتطيب بأزكى الروائح وأطيبها، استعدادًا وابتهاجًا للقاء الحبيب المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، وإذا لم يتيسر له الاغتسال لمانع أو لضيق الوقت، فليكتفِ بالوضوء التام.
السكينة والوقار في الطريق إلى المسجد
يتوجه الزائر بعد ذلك إلى الحرم النبوي الشريف بخطى وئيدة، متواضعًا ومنكسرًا لله تعالى، تكسوه السكينة ويجلله الحياء، ويملأ قلبه الوقار والمهابة.
وينبغي على الزائر في هذا الموقف أن يستحضر في قلبه شرف المدينة المنورة وفضلها، وأنها البلد التي شرفت بأن يكون فيها خير الخلائق أجمعين بلا خلاف، وليكن من أول قدومه إلى أن يرجع مستشعرًا لتظعيمه، ممتلئ القلب من هيبته كأنه يراه صلى الله عليه وآله وسلم.
دخول المسجد النبوي والصلاة في الروضة الشريفة
فإذا لاح للمؤمن المسجد ودخل من بابه الشريف، قدم رجله اليمنى ذاكرًا الله تعالى، ثم يقصد مباشرة إلى الروضة الشريفة، تلك البقعة الطاهرة المنيفة الواقعة بين القبر الشريف والمنبر النبوي، والتي قال عنها الصادق المصدوق إنها روضة من رياض الجنة.
ويصلي الزائر في الروضة ركعتين خفيفتين بخشوع وخضوع بنية تحية المسجد، ويستحب أن يصليهما بجنب المنبر النبوي الشريف.
الضراعة والاعتذار عند الجناب النبوي
وهناك في ذلك المقام الأسمى، يرفع الزائر يديه بالضراعة ويدعو الله تعالى مجتهدًا في الدعاء، سائلًا المولى من خيري الدنيا والآخرة، لأنه يجلس في قطعة من الجنة، وفي مهبط الرحمات وموطن تتنزل فيه البركات وترجى فيه الإجابة يقينًا.
ويستحضر العلماء في هذا المقام ما حكاه أصحاب السير عن العتبي مستحسن له قال: كنت جالسًا عند قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم فجاء أعرابي فقال: السلام عليك يا رسول الله سمعت الله يقول: "ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابًا رحيمًا"، وقد جئتك مستغفرًا.
اغتنام الأوقات وحفظ الأنفاس بالمدينة
وينبغي للزائر الفطن أن يغتنم كل لحظة من مدة وجوده وإقامته في المدينة المنورة؛ فالأنفاس معدودة والأوقات فيها نفيسة لا تقدر بثمن، فلا يضيع وقتًا في لهو أو غفلة.
ويتحقق ذلك بالحرص أشد الحرص على أداء الصلوات الخمس كلها مع الجماعة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والإكثار من النوافل في الروضة الشريفة ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، وتلاوة القرآن الكريم في جنبات المسجد، والإكثار من الدعاء والاستغفار والتسبيح والتهليل، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم آناء الليل وأطراف النهار، مستشعرًا أن كل بقعة في هذا الحرم قد شهدت تسبيحًا أو سجودًا أو تنزلًا للوحي الأمين.



