مع اقتراب بطولة كأس العالم 2026 من محطاتها الأخيرة، يتزايد الجدل بين الجماهير والمحللين حول ما إذا كانت النسخة الحالية تستحق بالفعل لقب أفضل بطولة في تاريخ كأس العالم. فبين الأهداف الغزيرة، والمباريات المثيرة، والمفاجآت التي صنعتها المنتخبات الصغيرة، والأرقام القياسية التي تحطمت تباعًا، تبدو النسخة الأولى التي تضم 48 منتخبًا مختلفة عن جميع النسخ السابقة، وفق تقرير نشرته شبكة بي بي سي البريطانية.
ورغم المخاوف التي صاحبت قرار الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) بزيادة عدد المنتخبات المشاركة إلى 48 فريقًا، وما تردد قبل انطلاق البطولة بشأن احتمال انخفاض المستوى الفني ووجود مباريات من طرف واحد، جاءت أحداث البطولة لتبدد جانبًا كبيرًا من تلك المخاوف، بعدما شهدت الملاعب منافسات حافلة بالإثارة حتى الدقائق الأخيرة، في الوقت الذي لم تخل فيه البطولة من الجدل، سواء على مستوى التحكيم أو بعض القرارات الإدارية.
وتشير الأرقام إلى أن مونديال 2026 يسير بخطى ثابتة نحو دخول قائمة أعظم نسخ كأس العالم، إذ لم تعد المقارنة تعتمد فقط على الانطباعات، وإنما أيضًا على إحصائيات تؤكد أن البطولة الحالية تقدم واحدة من أكثر النسخ هجومًا وإثارة في تاريخ المسابقة.
أرقام قياسية وإثارة حتى اللحظة الأخيرة
قبل انطلاق مباريات الدور ربع النهائي، شهدت البطولة تسجيل 280 هدفًا في 96 مباراة، بمعدل بلغ 2.92 هدف في اللقاء الواحد، وهو أفضل معدل تهديفي منذ مونديال المكسيك 1970 الذي سجل 2.97 هدف للمباراة، متفوقًا على النسخ الأخيرة في قطر 2022 وروسيا 2018 والبرازيل 2014.
ولم تقتصر الإثارة على كثرة الأهداف فقط، بل امتدت إلى طريقة تسجيلها، حيث جاءت نسبة كبيرة من الأهداف من اللعب المفتوح، بينما انخفضت نسبة الأهداف المسجلة من ركلات الجزاء إلى أدنى مستوى في تاريخ البطولة، في مؤشر يعكس الطابع الهجومي الذي فرض نفسه على أغلب المباريات.
كما فرضت الدقائق الأخيرة نفسها بطلاً حقيقيًا للمونديال، بعدما شهدت البطولة عددًا كبيرًا من أهداف الفوز القاتلة، كان أبرزها هدف إنزو فرنانديز في شباك مصر خلال الوقت بدل الضائع، والذي أصبح عاشر هدف حاسم يُسجل بعد الدقيقة التسعين، وهو رقم غير مسبوق في تاريخ كأس العالم.
ولم تخل البطولة من المباريات التي ستظل عالقة في ذاكرة الجماهير، إذ نجحت بلجيكا والأرجنتين في قلب تأخرهما بهدفين إلى انتصار مثير بنتيجة 3-2 أمام السنغال ومصر على التوالي، بينما حققت إنجلترا فوزًا دراميًا على المكسيك رغم لعبها أكثر من 40 دقيقة بعشرة لاعبين.
وفي المقابل، شهدت البطولة أيضًا ثمانية تعادلات سلبية، وهو رقم قياسي في تاريخ كأس العالم، إلا أن كثيرًا من المحللين يرون أن ذلك يعكس تقارب مستويات المنتخبات أكثر من كونه دليلًا على تراجع المستوى الفني.
نجاح جماهيري يقابله جدل مستمر
خارج المستطيل الأخضر، نجحت البطولة في تجاوز كثير من التوقعات السلبية المتعلقة بالحضور الجماهيري. فقبل انطلاق المنافسات، أثارت أسعار التذاكر المرتفعة واتساع المسافات بين المدن المستضيفة في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك مخاوف من ظهور مدرجات شبه خالية، إلا أن الواقع جاء مختلفًا.
وأعلن فيفا أن نحو 99.7% من التذاكر المتاحة بيعت، بينما تجاوز إجمالي الحضور الجماهيري 6.2 مليون مشجع حتى نهاية دور الـ16، بمتوسط يزيد على 65 ألف متفرج في المباراة الواحدة، وهو من أعلى معدلات الحضور في تاريخ البطولة.
كما شهدت المنافسة على جائزة الحذاء الذهبي صراعًا استثنائيًا بين كبار نجوم العالم، يتقدمهم ليونيل ميسي، يليه كيليان مبابي وإيرلينج هالاند، ثم هاري كين، في سابقة تاريخية تشهد وجود ثلاثة لاعبين سجلوا سبعة أهداف أو أكثر في نسخة واحدة من كأس العالم.
ومن أبرز مفاجآت البطولة أيضًا تألق منتخبات لم تكن مرشحة للمنافسة، مثل الرأس الأخضر التي وصلت إلى دور الـ16 وقدمت مباراة قوية أمام الأرجنتين، بالإضافة إلى كوراساو التي استعادت توازنها بعد خسارة ثقيلة أمام ألمانيا، وحققت نتائج لافتة أمام منتخبات أكثر خبرة.
لكن، وعلى الرغم من هذه الصورة الإيجابية، لم تسلم البطولة من الانتقادات. فقد تعرض التحكيم لانتقادات واسعة في أكثر من مباراة، كما أثار قرار إيقاف عقوبة المهاجم الأمريكي فولارين بالوجون بعد تدخّل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في التواصل مع رئيس فيفا جياني إنفانتينو موجة كبيرة من الجدل، ودفع شخصيات رياضية واتحادات كروية إلى التشكيك في تأثير السياسة على القرارات الرياضية.
كما انتقد بعض اللاعبين والمدربين طول مدة البطولة، التي تمتد لأكثر من شهر، إضافة إلى تأثير ضغط المباريات والسفر بين المدن على الحالة البدنية للاعبين، خصوصًا مع اقتراب انطلاق الموسم الجديد في الدوريات الأوروبية.
ورغم هذه الانتقادات، يتفق كثير من المتابعين على أن النسخة الحالية قدمت حتى الآن مزيجًا نادرًا من الإثارة والمتعة والأرقام القياسية. إلا أن الحكم النهائي على مكانتها التاريخية سيظل مرتبطًا بما ستسفر عنه الأدوار الأخيرة، إذ لطالما لعبت المباراة النهائية دورًا حاسمًا في رسم الصورة التي تبقى في ذاكرة جماهير كرة القدم.