يثير ملف أسعار الكهرباء جدلا متجددًا مع كل زيادة جديدة في التعريفة، وسط مطالبات بالانتقال من الحلول المؤقتة إلى إصلاحات هيكلية تعالج أسباب ارتفاع تكلفة الإنتاج. وفي هذا السياق، أكد خبير اقتصادي أن مواجهة الأزمة تتطلب تحسين كفاءة القطاع والحد من الفاقد وسرقات التيار، بدلًا من الاعتماد على تحميل المستهلك أعباء مالية إضافية، مشددًا على ضرورة وضع خريطة طريق واضحة توازن بين الإصلاح الاقتصادي وحماية المواطنين.
جدد الدكتور مدحت نافع، منسق لجنة الاقتصاد الكلي بالمجلس الاستشاري لرئيس الوزراء، التحذير من استمرار الاعتماد على رفع أسعار الكهرباء كحل لمواجهة ارتفاع تكلفة الإنتاج، مؤكدًا أن هذا النهج لن يؤدي إلى حل الأزمة، بل سيدفع القطاع إلى "حلقة مفرغة" تتكرر فيها الزيادات دون معالجة الأسباب الحقيقية التي ترفع التكلفة.
وأوضح أن الإصلاح الحقيقي يبدأ بمعالجة الاختلالات الهيكلية داخل القطاع، وليس بتحميل المواطن وحده أعباء الأزمة.
اعتبار فارق التكلفة دعمًا.. قراءة تحتاج إلى مراجعة

أكد نافع، خلال مداخلة هاتفية ببرنامج "اليوم هنا القاهرة" المذاع على قناة مودرن، أن التعامل مع الفارق بين تكلفة إنتاج الكهرباء وسعر بيعها للمستهلك باعتباره دعمًا بشكل مطلق يعد تصورًا غير دقيق، موضحًا أن استمرار هذا المنطق سيؤدي إلى تضخم أرقام الدعم المعلنة عامًا بعد آخر.
وأشار إلى أن قيمة ما يوصف بالدعم، والتي تقدر حاليًا بنحو 100 مليار جنيه، قد ترتفع إلى 200 أو 300 أو حتى 500 مليار جنيه مستقبلًا إذا استمرت طريقة الحساب نفسها دون إصلاحات حقيقية تخفض تكلفة الإنتاج.
المواطن لا يجب أن يدفع ثمن أوجه القصور

وشدد منسق لجنة الاقتصاد الكلي على أن تحميل المستهلك تكلفة المشكلات التي يعاني منها القطاع لا يحقق العدالة، موضحًا أن ارتفاع التكلفة يرتبط بعوامل متعددة، من بينها انخفاض كفاءة بعض محطات الكهرباء، وسرقات التيار، والفاقد في شبكات النقل والتوزيع، بالإضافة إلى سوء إدارة المديونية.
وأضاف أن هذه التحديات لا ينبغي أن يتحمل المواطن الملتزم نتائجها في صورة زيادات متكررة في أسعار الكهرباء.
الوقود الأحفوري يرفع تكلفة إنتاج الكهرباء

وأوضح نافع أن اعتماد منظومة الكهرباء بنسبة تقارب 87% على الوقود الأحفوري يجعل تكلفة إنتاج الكهرباء أكثر ارتفاعًا، خاصة مع تراجع إنتاج الغاز الطبيعي، وهو ما يزيد من الضغوط المالية على القطاع.
وأكد أن تنويع مصادر الطاقة والتوسع في البدائل الأقل تكلفة يمثلان أحد المسارات الأساسية لخفض تكلفة الإنتاج على المدى الطويل.
سرقات الكهرباء تزيد الفجوة في التسعير

ولفت إلى أن الفارق بين تكلفة إنتاج الكهرباء وسعر بيعها للمستهلك لا يمكن اعتباره دعمًا خالصًا، إذ إن جزءًا منه يعود إلى الفاقد في الشبكة والاستفادة غير المشروعة الناتجة عن سرقات الكهرباء.
وأشار إلى أن المواطن الذي يلتزم بسداد فواتيره لا ينبغي أن يتحمل تكلفة المخالفات التي يرتكبها آخرون، تمامًا كما لا يجوز تحميل الممولين الملتزمين أعباء التهرب الضريبي.
إصلاحات جذرية بدلًا من الحلول المؤقتة

وأكد نافع أن الحلول الاقتصادية لمعالجة الأزمة لا تزال متاحة، إلا أن المشكلة تكمن في الاعتماد على إجراءات قصيرة الأجل تعالج النتائج دون التصدي للأسباب الحقيقية للأزمة.
وأوضح أن الإصلاحات الهيكلية قد تحتاج إلى وقت حتى تنعكس آثارها على الاقتصاد، لكن البدء فيها أصبح ضرورة، مع وضع خطة واضحة توازن بين متطلبات الإصلاح وحماية المواطنين من الأعباء المتزايدة.
خريطة طريق تعيد الثقة للمواطن
واختتم تصريحاته بالتأكيد على أن المواطن يشعر بأنه يتحمل أعباء متواصلة دون أن يرى رؤية واضحة لموعد تحسن الأوضاع، مشددًا على أهمية إعلان خريطة طريق للإصلاح توضح مراحل التنفيذ ونتائجها المتوقعة.
وأكد أن نجاح أي برنامج تنموي يرتبط بوضع المواطن في قلب عملية التنمية، بحيث يكون المستفيد الأول من الإصلاحات، وليس الطرف الذي يتحمل تكلفتها بصورة مستمرة.
