قال الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن البعيجان، إمام وخطيب المسجد النبوي، إن السعادة مطلب عظيم وغاية كل إنسان وهي الفطرة التي فطر الله النفس على محبتها والتطلع إليها.
السعادة الحقة
وأوضح " البعيجان" خلال الجمعة الأخيرة من شهر صفر الهجري اليوم من المسجد النبوي بالمدينة المنورة، أن السعادة الحقة لا تنال بالأماني بل بالأسباب التي توصل إليها وأن الشرع أرشد إلى سبلها ودل على وسائلها وحث على الأخذ بأسبابها.
وأضاف أن تقوى الله هي مفتاح كل خير وأساس كل سعادة قال تعالى: (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ۚ)، منوهًا بأن السعادة هي جزاء لا ينال إلا بالإيمان والطاعة.
واستشهد بما قال تعالى: (وَٱلۡعَصۡرِ (1) إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَفِي خُسۡرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلۡحَقِّ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلصَّبۡرِ)، مشيرًا إلى أن السعادة هي مقصد مجمع عليه.
مطلب متفق عليه
وأفاد بأنها مطلب متفق عليه يسعى إليه كل إنسان يطلبه في كل زمان ومكان ولكنه قد يخطئ في تصور حقيقتها ومعرفة كنهها وقد يخطئ الإنسان طريقها ويزل عن أسبابها، موضحًا أن الإيمان والعمل الصالح هما السبيل إلى السعادة
ودلل بما قال تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)، موضحًا أن من أعرض عن تقوى الله وتنكب طاعة الله تعس بائس وغارق في أوحال الشقاء والهم والغم.
واستند لما قال تعالى: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ)، منبهًا إلى أن السعادة إعانة وتوفيق من الله يمن بها على من يشاء من عباده فيشعر صاحبها بانشراح الصدر والشعور بالرضا والطمأنينة وراحة البال والسكينة".
وأشار إلى أن الإيمان والعمل الصالح من أسباب السعادة، قال تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).
أعظم أسباب السعادة
وبين أن من أعظم أسباب السعادة المحافظة على الفرائض والواجبات وعلى رأسها الصلاة التي هي صلة العبد بربه قال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ).
ونوه بأن ملازمة ذكر الله وتلاوة القرآن من أسباب السعادة قال سبحانه: (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ)، وقال تعالى: (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ).
ولفت إلى أن من أسباب السعادة الإيمان بالقضاء والقدر الذي هو ركن من أركان الإيمان وأصل من أصول العقيدة ومن ثمراته الصبر عند البلاء والرضا بما قسم الله وعدم التسخط والجزع وراحة البال وطمأنينة النفس.
واستدل بما قال تعالى: (لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) وفي الحديث عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله، ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان).
ونبه إلى أن السعادة لا تكمن في النعيم والتنعم والانغماس في الشهوات والغرق في الملذات إنما في نعيم القلب وطمأنينة النفس وصلاح الباطن تمتد آثارها إلى الدنيا والآخرة، وأعظم ما يحجب العبد عن السعادة أمراض القلوب من حسد وحقد وبغض وكراهية وكبر ورياء.
محل الإيمان
وتابع: فالقلب هو ملك الجوارح ومحل الإيمان ومصدر السعادة ففي الحديث عن النعمان بن بشير -رضي الله عنه- قال سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول (ألا إنَّ حمى الله محارمه، ألا وإنَّ في الجسد مُضغة إذا صلحت صلح الجسدُ كله، وإذا فسدت فسد الجسدُ كله، ألا وهي القلب).
وألمح أن من موانع السعادة إهمال الواجبات والانغماس في المحرمات والركض وراء الشهوات والشبهات؛ مما يسبب غشاوة وقسوة للقلوب وحرمانًا من كل خير قال تعالى: (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ ۚ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ).
وحذر من سوء الظن بالله وما يجره من اليأسٍ من رحمته والقنوط من فضله والاستسلام للوسواس، حيث إنه مما يسلب السعادة ، مشددًا على وجوب إحسان الظن بالله فالمؤمن يعلم أن تدبير الله كله خير.
واستطرد: ففي الحديث عن صُهَيْبِ بْنِ سِنَانٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم -: (عَجَبًا لأمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لأِحَدٍ إِلاَّ للْمُؤْمِن: إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خيْرًا لَهُ).
وأكد أنّ ضياع الوقت والتفريط في الواجبات والغرق في اللهو والملهيات من أهم موانع السعادة، مشيرًا إلى أن التمسك بكتاب الله والاهتداء بهدي رسوله -صلى الله عليه وسلم- هما السبيل إلى السعادة".